الصفحة 17 من 23

وبجانب مصطلح السبب نجد ابن حزم يستعمل مصطلحات أخرى يبرر بها مذهبه القاضي بإنكار التعليل تجاه النصوص المصرَّح بعليَّتها، كالعلامة والمعنى والغرض، وكلها مصطلحات لا تقتضي عنده تعليلا ولا جريانا للقياس [46] ، فالعلامة حسب تصوره صفة يتفق عليها ـ مثلا ـ اثنان، فإذا رآها أحدُهما حصل له العلم الذي اتفقا عليه، ومثَّل لهذا بقوله عليه السلام: {إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ.} [47] يقول ابن حزم: «فكانت أصوات الأشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم» [48] . وفي اعتقادي أن ابن حزم حين رفض القياس الشرعي، لأجل أن الأسباب المنصوص عليها لا تقتضي إلحاق أحكامها الشرعية بمثيلاتها من الأسباب، كان رأيه معقولا ما دام أنه التزم بقانون السببية، إذ من طبيعة السبب أن يوجد ولا مُسبَّب، كذلك في الحوادث المستجدة قد يوجد فيها السبب ذاته الذي لأجله عُلق الحكم الشرعي في غيرها من الحوادث، ومع ذلك لا يلحق حكم هذه الأخيرة بما استجد لمجرد تشابه الأسباب، بدليل أن السبب لم يكن موجبا لشيء من الأحكام قبل ورود السمع، أما وإنه اعتبر هذه الأسباب المنصوص عليها مجرد علامات شرعية فإنه اقترب من مذهب الجمهور، لكون العلة الشرعية عند أكثر الأصوليين مجرد علامة نصبها الشرع أمارة ظنية على وجود الحكم الشرعي، متى تحققت بعد ورود السمع حصل لنا ظن بتحقق الحكم معها، والعمل بالظن الراجح مشروع، فالإسكار ـ مثلا ـ هو علامة شرعية على تحريم الخمر وليس وصفا موجبا، فمتى تحقق وصف الإسكار في شراب معين اقتضى ذلك من المجتهد تحريمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت