الصفحة 16 من 23

ونحن إذا علمنا أن العلة الشرعية عند المعلِّلين مجرد أمارة على الحكم الشرعي لم يكن لاعتراض ابن حزم معنى، ومن قال إن العلة الشرعية موجبة للحكم كان قصده من ذلك أنها موجبة بجعل الله تعالى، ولم نسمع عن أحدهم قولا يفيد أن العلة موجبة على الله حكما معينا فهذا لا يقوله مسلم، وحتى المعتزلة الذين عرَّفوا العلة الشرعية بالوصف الموجب بذاته للحكم [42] ، لم يكن مفهوم الإيجاب عندهم كتأثير العلل العقلية، فوصف القتل ـ مثلا ـ من الأفعال لا يتصور له تأثير كتأثير النار في الإحراق، فهذا مما لا يقول به عاقل، وإنما العقل يحكم بوجوب القصاص لمجرد القتل العمد العدوان، من غير توقف على إيجاب من موجب، وكذا في كل ما تحقق عند المعتزلة أنه علة شرعية بناءً على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين [43] ، ذلك أن الوصفين الحسن والقبح عندهم مبناهما المصلحة والمفسدة، والعلة الشرعية تقوم على ذلك، فتكون مؤثرة بذاتها في الحكم بمعنى أن الوصف يتبع المصلحة والمفسدة [44] ، فإذا كانت المصلحة تقتضي الفعل ومنع الترك، كان حكم الله تعالى فيه أنه واجب وحسن، وإن كانت المصلحة تقتضي الفعل ولا تقتضي المنع من الترك، كان حكم الله فيه أنه مندوب وحسن، وإن كانت المفسدة تقتضي الكف عن الفعل والمنع منه، كان حكمه أنه حرام وقبيح، وإن كانت المفسدة تقتضي الكف عنه ولا تقتضي المنع من فعله، كان حكمه عند الله الكراهة، أما إن انتفت في الفعل المصلحة التي تقتضي الفعل، والمفسدة التي تقتضي الترك، كان حكمه الإباحة لما استوى فعله وتركه، وبهذا فرّع المعتزلة الأحكام التكليفية الخمسة على المصلحة والمفسدة وما يقتضيانها، بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين [45] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت