الصفحة 15 من 23

وفي هذا محاولة صريحة من ابن حزم لإبطال القياس الشرعي، ذلك أنه فرَّق بين العلل والأسباب، فالعلة ـ حسب تصوره ـ صفة توجب أمرا إيجابا ضروريا، فمتى وُجدت العلة وُجِد الحكم معها، وعدم إيجاب العلل الشرعية لشيء قبل ورود السمع دليل على بطلان التعليل، يقول في ذلك: «لو كانت العلة التي تدعون في الشرائع موجبة... لكانت غير متخلفة أبدا، كما أن العلل العقلية لا تختلف أبدا، مثال ذلك أن الشدة والإسكار لو كانا علة لتحريم لكانت الخمر حراما مذ خلقها الله تعالى، فالخمر لم تزل مذ خلقها الله تعالى شديدة مسكرة، وقد كانت حلالا في الإسلام سنين» [40] . أما السبب فعلى خلاف العلة قد يوجد ولا حكم مقترن معه، وفي الشرعيات وجدت أسباب ولا مُسبَّبات لها، كما وجدت أخرى ولها أحكام مسبَّبة، فيكون إلحاق هذه بتلك دعوى لا تصدق إلا على العلل، وقد تبين أنه لا عليَّة في الشرعيات. ويؤكد ابن حزم ذلك بقوله: «والعلة لا تفارق المعلول البتة، ككون النار علة للإحراق، والثلج علة للتبريد، الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلا، وليس أحدهما قبل الثاني ولا بعده، وأما السبب فهو كل أمر فعل المختار فعلا من أجله لو شاء لم يفعله، كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبا للشيء المسبب منه ضرورة» [41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت