الصفحة 13 من 23

وكل ما تفرد به المعتزلة بعدما علَّلوا أفعاله تعالى وفق ما تقتضيه المشيئة الإلهية من الاختيار هو قولهم بوجوب التعليل، ومعناه ما لا يصح في العقل عدمه، استنادًا إلى نظرية الصلاح والأصلح، من حيث إن العدل عندهم هو ما يقتضيه العقل من الحكمة التي تكون معتبرة بالمصالح، فلو أنهم ـ حقا ـ علَّلوا بالعلل الموجبة لم يكن للتعليل معنى، فالفلاسفة لما اعتقدوا بهذه العلل في الأفعال الإلهية انتهى بهم المطاف إلى نفي التعليل مطلقًا، لأن الله ـ حسب تصورهم ـ فاعل غير مختار، أما المعتزلة فلمجرد أنهم علَّلوا أفعاله بالأغراض فهو تصريح منهم بأنه فاعل مختار، لكون الغرض ـ كما في الشاهد ـ إنما يكون في الفاعل المختار، وكثيرا ما نجدهم يشددون النكير على من اعتقد بالعلل الموجبة في أفعاله تعالى كما هو حال الفلاسفة الذين قالوا بالطبائع، وصيَّروها عللا فاعلة موجبة للأفعال.

والذي يهمنا في هذا المقام أن الظاهرية رفضوا تعليل الأحكام الشرعية ظنا منهم أن ذلك يستلزم تعليل أحكامه تعالى وأفعاله بعلل موجبة، أما جمهور المعلِّلين فلا يستلزم عندهم التعليل ذلك الاعتقاد، لأجل أن العلل الشرعية عندهم مجرد أمارات على الأحكام، ومن قال هي موجبة فقد قصد من ذلك أنها موجبة في حق العمل بأن جعلها الحكيم موجبة، أما في حقه تعالى فهي مجرد علامات أو معرفات لأحكامه الشرعية. لذا يكون محل النزاع بين الظاهرية والجمهور كامنا في تصور العلل المعلَّل بها، فالظاهرية رفضوا التعليل الأصولي لأجل أن العلة العقلية المعلَّل بها ـ حسب تصورهم ـ في علم الكلام هي العلة الموجبة، أما الجمهور فقالوا بالتعليل الأصولي لأجل أن العلة العقلية المعلَّل بها عندهم في علم الكلام هي العلة الغائية المعبَّر عنها بالغرض، وبالتالي لم يجتمع كل منهما على وِفاق واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت