الصفحة 12 من 23

ومن وراء هذا المذهب الأصولي ـ كما بينا ـ معتقد ألزم أصحابه رفض تعليل الأحكام الشرعية، ويتجلى أكثر في العلل الموجبة التي أقام عليها ابن حزم حجته في نفي التعليل، باعتبارها عللا مؤثرة داعية في النفوس لوقوع الأفعال في الخارج [34] لا تصح دعوى التعليل بها، وقد قاله صراحة: «العلل كلها منفية عن أفعال الله تعالى، وعن جميع أحكامه البتة، لأنه لا تكون العلة إلا في مضطر» [35] . فلا يبعد أن يكون السبب ذاته قد ألزم شيخه داود وأتباعه إنكار التعليل، ليكون اختلافهم مع الجمهور في مسألة تعليل الأحكام الشرعية مبنيا على اختلافهم في تصور العلل المعلَّل بها. فإذا كانت العلة بمعنى الذي ساقه الظاهرية فلا شك أن التعليل بها خروج عن المعقول والمنقول، وقد امتنع التعليل بها علماء الإسلام قاطبة، ففي علم الكلام علَّلوا بالعلة الغائية، وليس بينها وبين العلة الموجبة تشابه، فالأولى لا تكون إلا في فاعل مختار، وقد علمنا أنه تعالى فاعل مختار، أما الثانية فلا تكون إلا في فاعل مضطر مُجبر على فعله، وهذا ما أنكره المتكلمون خصوصا المعتزلة على الفلاسفة، وقد ظن بعضُ المفكرين أن المعتزلة علَّلوا أفعاله تعالى بنفس العلة الموجبة التي قال بها الفلاسفة [36] . ونحن إذا علمنا أن المعتزلة من أوائل الفرق الإسلامية التي اشتغلت بعلم الكلام بقصد الدفاع عن العقيدة ضد الهجمات الفلسفية، لم يكن من الإنصاف في شيء أن نسويها بالخارجين عن الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت