وإذا كان جمهور الأصوليين قد رفضوا مذهب الظاهرية ولم يلتفتوا إليه، فإنهم في الوقت نفسه لم يسرفوا في التعليل؛ لأن الأحكام الشرعية على أنحاء، منها الأحكام التعبدية كتقديرات الكفارات ومقادير العبادات، وغيرها مما لا يُعقل له معنى، فهي لا تقبل تعليلا اتفاقا، ومنها الأحكام التعليلية التي لم يقم الدليل على الخصوصية فيها فهي محل النزاع، الجمهور قالوا تُعلَّل، والظاهرية قالوا لا تعلَّل [28] . وهي مخالفة صريحة لطريقة السلف اختلقها داود الظاهري، وقد شهدت شيوعا ببلاد المشرق طال القرنين الثالث والرابع الهجريين، إلى حدود القرن الخامس حيث عرفت فرقة الظاهرية تراجعا أخّر مسيرة مذهبها كثيرًا، خصوصا بعد إحياء المذهب الحنبلي بفضل فقهاء كانت لهم مكانة علمية مرموقة [29] . في الوقت نفسه كان ابن حزم يعمل على بعث المذهب الظاهري من جديد في الغرب الإسلامي، فعوَّل كأشياخه المشارقة في إبطال القياس الشرعي على إبطال تعليل الأحكام الشرعية [30] ، فبدأ بشن حملته ضد المعلِّلين انطلاقا من علم الكلام حتى يؤصل مذهبه عقائديًّا، ويؤسسه على بنيان مرصوص فقال: «وأما من قال منهم إنه تعالى يفعل لاجتلاب المنافع ودفع المضار عنهم فكلام فاسد» [31] . ووجه الفساد عنده في ذلك أن المعلِّلين قاسوا ذلك على الشاهد، وقالوا الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلة، والسفيه بخلافه «فقاسوا ربهم تعالى على أنفسهم، وقالوا إن الله لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده، وراموا بذلك إثبات العلل» [32] . وابن حزم بهذا كان وفيا لمذهب شيخه داود الذي لم يعلِّل الأحكام الشرعية، أو يعمِّم حكم النص في كل موضع تحققت فيه العلة، وإن كانت بعض المسائل قد ألجأته إلى الأخذ ببعض الرأي فليس أساسه تعليل النصوص [33] .