ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بَنِيَّ إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحَسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء ولا تتّكِلَنَّ على عذر مني، فإن اتكلت على كفاية منك.
وروى ابن خلدون في مقدمته: أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له:
يا أحمد: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيِّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك له واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن، وعرّفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلّمه السنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تُحزنه فتميت ذهنه، ولا تُمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباها فعليك بالشدة والغلظة.
وقال عبد الملك بن مروان ـ ينصح مؤدب ولده ـ:
علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروِّهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم، وجنبهم السفلة والخدم فإنهم أسوأ الناس أدبًا، ووقرهم في العلانية وأنِّبهم في السر، واضربهم على الكذب، فإن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار.
وقال الحجاج لمؤدب بنيه:
علمهم السباحة قبل الكتابة، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم.
وكتب عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - لأهل الشام يقول لهم:
"علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية"
وقال أحد الحكماء لمعلم ولده:
لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع، وازدحامه في الوهم مضلة للفهم.
ومن وصية ابن سيناء في تربية الولد: