ثمَّ يُحَاسِبُها بما تكلَّمَ بهِ ، أو مَشَتْ إليهِ رجلاهُ ، أو بَطَشَتْ يداهُ ، أو سمعَتْهُ أُذناهُ: ماذا أرادَتْ بهذا ؟ ولمَنْ فَعَلَتْهُ ؟ وعلى أيِّ وجهٍ فَعَلَتْهُ ؟ ويعلم أنه لا بد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: لم ؟ وكيف ؟ أي: لمَ فعلتَ ؟ وكيفَ فَعلتَ ؟ فالأوَّلُ: سؤالٌ عن علَّة الفعلِ ، وباعثِهِ ، وداعيهِ: هل هو حظُّ عاجلٌ مِن حُظوظِ العاملِ ، وغرضٌ مِن أغراضِ الدُّنيا في محبَّةِ المدحِ مِن الناس ، أو خوفِ ذمِّهم ، أو استجلابِ محبوبٍ عاجلٍ ، أو دفعِ مكروهٍ عاجلٍ ؟ أم الباعثُ على الفعلِ القيامُ بحقِّ العبوديَّةِ ، وطلبُ التودُّدِ والتقرُّبِ إلى الرَّبِّ سبحانه وتعالى ، وابتغاءُ الوسيلةِ إليهِ ؟
ومحلُّ هذا السؤالِ أنَّهُ: هل كان عليكَ أَنْ تفعَلَ هذا الفعلَ لمولاكَ ، أم فعَلْتَهُ لحظِّكَ وهواكَ؟
والثاني: سؤالٌ عن متابعةِ الرَّسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في ذلك التعبُّدِ ؛ أي: هل كان ذلك العمل ممّا شَرَعْتُهُ لك على لسانِ رسولي ؟ أم كانَ عملًا لم أشْرَعْهُ ولم أَرْضَهُ ؟
فالأوَّلُ: سؤالٌ عن الإخلاصِ ، والثاني: عن المُتابَعَةِ ؛ فإِنَّ اللهَ لا يقبلُ عملًا إلاَّ بِهِما.
فطريقُ التخلُّصِ مِن السؤالِ الأوَّلِ بتجريدِ الإخلاصِ .
وطريقُ التخلُّصِ مِن السؤالِ الثَّاني بتحقيقِ المُتابعةِ ، وسلامةِ القلبِ مِن إرادَةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ ، وهوىً يُعارِضُ الاتِّباعَ . وقال تعالى: (فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [ الحجر: 92 - 93 ] .
وقال تعالى: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) [الأحزاب: 8 ] .
فإذا سُئِلَ الصَّادقون وحُوسِبُوا على صِدْقِهِمْ فما الظَّنُ بالكاذِبِينَ ؟
وقال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ) [ التكاثر: 8 ] .