ومن ذلك: أن يمنع من كائن جالسا من القيام له، قال الخطيب رحمه الله: «ويمنع من كان جالسا من القيام له فإن السكون إلى ذلك من آفات النفس» [1]
وهذا الأمر من المسائل التي عمت بها البلوى في مدارسنا اليوم، حيث نجد أن التلاميذ اعتادوا الوقوف للأستاذ ولكل زائر للقسم. وهذا أمره خطير وشرره مستطير لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهب من مثل هذا الفعل فقال: «من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» [2] ثم إن عليه أن يقتصد في مشيته لقوله تعالى: «واقصد في مشيك» [3]
قال الخطيب البغدادي: «وينبغي أن يمنع أصحابه من المشي وراءه، فإن ذلك فتنة للمتبوع وذلة للمتبع» [4] . أي أن يتقدمهم في المشي وهم وراءه بل يمشون إلى جنبه كما هو حال الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن مظاهر خفض الجناح أيضا أن «يعم بالسلام كافة المسلمين حتى الصبيان غير البالغين» [5] وهذه صورة عظيمة من صور التواضع وخفض الجناح. وقد ساق الخطيب بسنده إلى محمد بن بشر العكري قال: «حضرت المزني وجاءه رجل فقبل رأسه فأخذ المزني يد الرجل فقبلها. فقالوا سبحان الله يا أبا إبراهيم، فقال هذا من التطفيف» . [6]
التحلي بالرفق:
ومما يحسن للمدرس أن يتحلى به؛ الرفق والليونة، وذلك لتأليف النفوس الناشزة والطباع الجافة، وذلك بتحسين خلقه مع تلامذته. فقد ساق الخطيب سنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن رسول صلى الله عليه وسلم بفاحش ولا متفحش ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن ويصفح» . [7]
وذكر الخطيب في هذا الباب عدة آثار؛ منها أن حماد بن زيد قال: «ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز وجل»
(1) -"الجامع" (1/ 399) .
(2) -"رواه أبو داود في كتاب الأدب".
(3) -"سورة لقمان": الآية 18.
(4) -"الجامع" (1/ 395) .
(5) -"الجامع" (1/ 399) .
(6) -"الجامع" (1/ 351) .
(7) -"الجامع" (1/ 353) ."رواه البخاري"في كتاب التفسير.