فإليك مجموعة من تلك الآداب التي كان يتحلى بها المحدثون سواء مع أنفسهم، أو مع درسهم أو مع تلامذتهم، وبعض الطرق التي كانوا يستعملونها في تدريسهم عسى أن تجد آذانا صاغية وقلوبا واعية.
فمن أخذ بها انتفع ونفع، لأنها مأخوذة من أدب من بارك الله في عملهم، وصاروا أئمة يهتدي بهم، جمعنا الله بهم في جنته آمين.
المبحث الأول: آداب المحدث مع نفسه
الإخلاص لله تعالى:
إذ بالعلم يعبد الله، وعليه فإن شرط العبادة إخلاص النية لله، فعلى المدرس أن يتخلص من كل ما يشوب نيته في صدق التعليم كحب الظهور، والتفوق على الأقران. وقد أشار الخطيب إلى ذلك في مستهل كتابه - كما هي عادة أهل العلم، كالإمام البخاري في جامعة - بقوله «ينبغي لمن عزم على التحديث أن يقدم له النية ويبتغي فيه الحسبة» [1] . ثم قال بعد ذلك « وإن كان في بلده أو بغيره من هو أعلى إسنادا منه دل عليه، وأرشد الطلبة إليه» [2] وفي هذا قمة الإخلاص وهضم حظوظ النفس، وصرف وجوه الناس إليه. وقال أيضا: «... وليستعمل الجد في أمره، وإخلاص النية في قصده والرغبة إلى الله في أن يرزقه علما يوفقه فيه، ويبعده من علم لا ينتفع به..» [3]
ملازمة خشية الله تعالى:
ينبغي للمدرس أن يلزم خشية الله في السر والعلن وفي الظاهر والباطن، وذلك بالحفاظ على شعائر الإسلام دالا على الله بعلمه وسمته وعمله. وقد ألف الخطيب كتابا حافلا في هذا الباب أسماه «اقتضاء العلم العمل» ذكر فيه زهاء مائتي حديث تحث على العمل وملازمة الخشية الله تعالى.
حفظ الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء:
ينبغي للمدرس أن يلزم هذه الخصلة الحميدة ويخفض جناحه للمتعلم إذا سأله، وينبذ الخيلاء والكبرياء وحب الظهور والبروز والتفوق على الأقران، فيلزم اللصوق إلى الأرض وهضم حظوظ النفس.
(1) -"الجامع" (1/315) .
(2) -"الجامع" (1/399) .
(3) -"الفقيه و المتفقه" (2/171) .