قال الإمام مالك «إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لأثر من مضى قبله» . [1]
وقد لخص الخطيب ذلك كله في قوله: «يجب على طالب الحديث أن يجتنب اللعب والعبث والتبذل في المجلس بالسخف والضحك والقهقهة وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح يسيره ونادره وطريفه الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشة وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم. وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة» [2]
وقال أيضا"ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» [3] - [4] "
ومن مظاهر ذلك أداء زكاة هذا العلم. فقد روى الخطيب عن بشر بن الحارث قال «يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث، قالوا يا أبا نصر كيف زكاته؟ قال اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وقال عمر بن قيس الملائي إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله» [5] .
فليست غاية التلميذ من تعلمه ودراسته هي مجرد التعلم فقط، وإنما الغاية من ذلك أولا هي تطبيق ما تعلم، ثم تبليغه لأهله، وهنا يكمن الدور الأساسي للمدرسة.
ولأهمية هذا الأمر نجد الخطيب البغدادي وضع كتابا مستقلا في هذا الباب أسماه «اقتضاء العلم العمل» . وقد ساق فيه كلاما نفسيا رأيت أن أذكره: يقول: .. ثم إني أوصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملا .. فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشا من العلم ولا تأنس بالعلم ما كنت مقتصرا في العمل، ولكن أجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما.
(1) - نفسه.
(2) -"الجامع" (1/ 156) .
(3) -"سورة الأحزاب"الآية 21.
(4) -"الجامع" (1/ 142) .
(5) -"الجامع" (1/ 144) .