إن المتصدر للتدريس يمتاز عن غيره في كل شيء حتى في لباسه ومظهره، وذلك لشرف ما يحمل من العلم. لهذا راعى الخطيب البغدادي هذا الجانب ولم يغفله -كما سبق الذكر - أثناء كلامه عن صفة المحدث، حيث ذكر زهاء سبعين حديثا في هذا الباب وبوب ذلك بقوله باب: «إصلاح المحدث هيئته و أخذه لرواية الحديث زينته» .
قال الخطيب: «ينبغي للمحدث أن يكون في حال روايته على أكمل هيئته، وأفضل زينته ويتعاهد نفسه قبل ذلك بإصلاح أموره التي تجمله عند الحاضرين من الموافقين والمخالفين» [1] .
ويكون ذلك باستعمال السواك أو ما يقوم مقامه لتنظيف الفم من الروائح الكريهة تعظيما لما يقول من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر: «وليبتدئ بالسؤاك» . [2]
«وليقص أظافره إذا طالت [3] ... ويأخذ من شاربه [4] .. من شعت رأسه» . [5]
«وإذا أكل طعاما زهما [6] أنقى يديه من غمره، ويتجنب من الأطعمة ما كره ريحه» [7]
فإذا انتهى من ذلك اختار ما يناسبه من اللباس، والمستحب له البياض.
قال الخطيب: «يستحب له لباس الثياب البيض، ويكره له أن يلبس الثوب الخلق وهو يقدر على الجديد» . [8]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البسوا هذه الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكنفوا بها موتاكم» [9]
وخوفا من البطر والترفه والإشهار يقول الخطيب «وكما يكره له لبس أدون الثياب فكذلك يكره له لبس أرفعها خوفا من الإشتهار بها، وأن تسموا إليه الأبصار فيها» [10] ، مما قد يشغل بال التلاميذ.
(1) -"الجامع" (1/ 373) .
(2) - نفسه.
(3) -"الجامع" (1/ 374) .
(4) -"الجامع" (1/ 3751) .
(5) -"الجامع" (1/ 376) .
(6) -"ريح لحم سمين منتن"، و بالتحريك مصدر زهمت يده كفرح فهي زهمة أي دسمة. انظر القاموس المحيط مادة الزهومة، ص 1119.
(7) -"الجامع" (1/ 377) .
(8) -"الجامع" (1/ 381) .
(9) -"رواه أبو داوود"في كتاب الطب.
(10) -"الجامع" (1/ 382) .