الصفحة 14 من 275

وأظلّ سبيلا ) [1] كما ذكر الله تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [2] فإخوان الصفاء أكدوا على معرفة النفس كثيرًا واتبعوا الحكمة الفلسفية القديمة التي وجدها سقراط مكتوبة ، فيما تروى الأسطورة ، بأحرف من ذهب على عتبة ديلف معبد ابولون إله الوحي والإلهام والشعر عند الأغريق وهي ( أعرف نفسك بنفسك ) فقد قرر إخوان الصفاء أن المتفلسف لا يستيطع أن يخطو في الفلسفة خطوة واحدة قبل أن يعرف نفسه بنفسه معرفة عميقة قاطعة ، وإلا كان مثله كمثل من يزعم أنه يعالج المرضى وهو سقيم ، أو يدعي أنه يساعد الفقراء وهو مدقع ، أو أنه يحاول أن يرشد الناس في الطرقات وهو لا يعرف طريق بيته [3] وهذا التأكيد نجده بقول الإخوان ( وأعلم أيها الأخ البار الرحيم ، أيدك الله وإيانا بروحٍ منه ، أنه لا يحسن بنا أن ندعي معرفة حقائق الأشياء ولا تعرف أنفسنا ، كمثل من يُطعم الناس وهو جائع ، وكمن يكسو غيره وهو عريان ، وكمن يداوي الناس وهو عليل وكمن يهدي الناس الى الطريق ولا يعرف طريق بيته ، فقد علم أن الإنسان في مثل هذه الأشياء ينبغي له أن يبتدئ أولًا بنفسه ثم بغيره ) [4] إذن فللنفس الدور البارز في المعرفة ، في معرفة صور الموجودات الجسمانية والمعقولات كما لها الدور المهم في معرفة الأُمور الروحانية فمتى ما كانت النفس لم تُدنس بالجهالات والأخلاق الرديئة ولم تعوج بالآراء الفاسدة فسوف تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها فتدركها النفس بحقائقها ، وتشاهد الأُمور الغائبة عن حواسّها بعقلها وصفاء جوهرها مثلما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسها إذا كانت حواسها

(1) المصدر نفسه ، ص 185 - 186 0

(2) الإسراء ، أية 72

(3) د0 محمد غلاب ، إخوان الصفا ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، مصر ، 1968 ، ص 55 - 56 0

(4) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج4 ، ص 169 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت