الصفحة 13 من 275

المدبرة لشؤون الجسد وبها يستطيع الإنسان المعرفة 0 فعلى الرغم من دور الحواس الظاهرة والباطنة والعقل في المعرفة فإن هذه الأدوات تصبح لا فائدة لها في المعرفة متى ما فارقت النفس هذا الجسد الفاني 0

أما عن هبوط النفس فقد بين الإخوان إنها هبطت من عالمها الروحاني وأُسقطت من مرتبتها العالية لجناية ، فغرقت هذه النفس في بحر الهيولى وغاصت في قعر الأجسام المظلمة وعرض للنفس مصائب وأهوال لكونها مع الجسد وما اُبتليت به من ظُلمات هذه الأجساد من هموم المعاش ، وخوف الجوع ، وألم العطش وأوجاع الأمراض 000 الخ من الشدائد والمصائب فصارت النفس بسبب هذه المحن لا تذكر شيئًا مما كانت فيه ، من أمر عالمها ومبدئها ومعادها [1] وهذه النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رقدة الجهالة وأبصرت ذاتها ، وعرفت جوهرها ، وأحست بغربتها في عالم الأجسام ، ومحنتها وغرقها في بحر الهيَوُلى وأسرها بالشهوات الطبيعية ، وعاينت عالمها وريحانها ، فهي عند ذلك تشتاق الى هناك ، وتميل الى الكون في ذلك العالم فتزهد في نعيم الدنيا وتمقت الكون مع الجسم المظلم الكثيف وتتمنى الموت بمفارقة هذه الأجساد المظلمة0 ووصف إخوان الصفاء النفس بأن ( مثلها عند ذلك كمثل قوم خرجوا من الحبس والمطانير مع ضوء الصبح ، فشاهدوا هذا العالم بما فيه دفعه واحدة ، وأما النفوس غير المستبصرة فمثلها كمثل العميان سواء عندهم ضوء النهار وظلمة الليل ) [2] وقالوا أيضًا ( وأعلم أن النفس إذا لم تستبصر ذاتها ولم تعرف جوهرها ومبدأوها ومعادها ، ولم تحسّ بغربتها وما هي عليه في هذه الدنيا من المحنة والبلوى ، ما دام يمكنها البحث والاجتهاد في التعلم ولها تمييز وعقل وحواس صحيحة ويمكن الأعتبار والفحص والبيان ، فلم تجتهد حتى بقيت عمياء الى الممات ، فهي بعد الممات أعمى

(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج4 ، ص 185

(2) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج4 ، ص 185 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت