وأبو هلال العسكري يؤكد ذلك بقوله:"ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم." [1] والعسكري هنا لا يقيد التداخل بفن من فنون القول، بل إنه يعمم ذلك ليشمل جميع أصناف القول والقائلين. وهذا الكلام الذي قاله نقاد عرب قدماء قبل ألف سنة نسمعه اليوم من نقاد غربيين محدثين حين يتحدثون عن حتمية التداخل بين النصوص؛ فعدم القدرة على الإفلات من شباك التداخل مع السابقين لخصها ديريدا في العصر الحديث بقوله:"التراث لا يمكن الإفلات منه Tradition is inescapable ." [2] ويقول ريدل وكأنه يردد ما قاله ابن أبي طاهر وأبو هلال العسكري:"إن النصوص القديمة تفتح أبواب النص الحاضر ليلعب السابقون فيه دورا غير محدود، لهذا فالنصوص الأدبية كلها تبدو مزدوجة، أو ثنائية؛ لأنها بطريقة لاإرادية متخللة بالنصوص السابقة عليها. وبما أن النصوص السابقة تكمن في النصوص الحاضرة فإنه لا وجود للنص المستقل ذاتيا بشكل كامل." [3] ويتحدث ليتش عن تداخل النصوص وحتميتها فيشير إلى أن النص ليس مستقلا، بل هو نظام متكامل من العلاقات من النصوص الأخرى بلغته ونحوه ومعجمه، لهذا فإن كل نص هو متداخل مع غيره شعوريا أو لا شعوريا. [4] ويقول إليوت الذي عرف عنه تقديره للتراث:"ليس هناك شاعر أو فنان في أي فن يستطيع أن يستقل بالمعنى الكامل منفردا." [5] وجوليا كريستيفا رائدة فكرة التداخل بين النصوص في العصر الحديث تؤكد حتمية التداخل التي قال بها العرب قبل ألف عام فتقول عن علاقة النصوص بعضها ببعض:"إن كل نص هو عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى." [6]
(1) العسكري،كتاب الصناعتين، 202.