لولا أن الكلام يعاد لنفد) هذه الكلمة التي رواها أبو هلال العسكري في الصناعتين [1] منسوبةً إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تلخص النتيجة التي انتهى إليها النقاد العرب والمحدثون قديما وحديثا في دراستهم للنصوص الإبداعية شعرا ونثرا، وهي أن النص المستقل لا وجود له. فالتكرار في حقيقته سبيل لاستمرارية الجنس الأدبي وحفظه كما هو سبيل لاستمرارية الجنس البشري وحفظه، لهذا فهو حتمي لحفظ الجنس الأدبي، كما هو حتمي لحفظ الجنس البشري. فمن المعاني تتولد المعاني، ومن الأفكار تتولد الأفكار، وبدون سابق لا وجود للاحق، فالكلمة دائما خصبة، والمعاني دائما منجبة، وليس لإنجابها عمر محدد. والمعاني تتشابه كما يتشابه الناس؛ ذلك لأنها تتكرر كما يتكرر الناس، وجينات الأعمال السابقة تتسلل بشكل طبيعي إلى الأعمال اللاحقة، وقد فطن الكتاب والنقاد العرب لهذه الحقيقة منذ القدم فأشاروا إليها كظاهرة طبيعية تحتمها طبيعة اللغة وطبيعة البشر. فقبل ألف عام قال الناقد العربي القديم أحمد بن أبي طاهر:"وقد رأينا الأعرابي أعرم، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يروي، ولا يحفظ، ولا يتمثل، ولا يحذو، ولا يكاد كلامه يخرج من كلام من قبله، ولا يسلك إلا طريقة قد ذللت له، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره وإن اجتهد في الاحتراس وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل ." [2]
(1) أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، تحقيق علي البجاوي وأبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1952 م) ، 202.
(2) أبو علي الحاتمي، حلية المحاضرة في صناعة الشعر، تحقيق جعفر الكتاني (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام ودار الرشيد للنشر، 1979 م) ،28:2..