بعد أن ينهي ابن شهيد رحلته بين توابع الشعراء مع تابعه زهير بن نمير ويطمئن إلى إجازاتهم، يعقد مجلسا نقديا يحضره نقاد من الجن يحشدهم ابن شهيد لينتزع منهم الإجازة والشهادة بتفوقه على غيره من الشعراء السابقين، وقد قدم لذلك بقوله:"وحضرت أنا وزهير مجلسا من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراء من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر." [1] وقد ذكر بعض الحاضرين قول الأفوه الأودي:
وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
ثم ذكر الحاضرون أبياتا أخرى لبعض الشعراء الذين أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه، مثل النابغة، وأبي نواس، وصريع الغواني، وأبي تمام، والمتنبي، ولكن المجلس لا يهتز إلا لأبيات يوردها فاتك بن الصقعب لنفسه، وهو يمثل ابن شهيد، وقد قدم لها بقوله:"ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحسن التركيب، ودل بلفظة واحدة على ما دل عليه شعر النابغة والمتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب." [2] وبعد أن يورد أبياتا ستة في هذا المعنى يقوم ابن شهيد من مكانه ويجلس إليه جلسة المعظم له، ويقول له:"جُدْ أرضنا أعزك الله بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك" [3] فيستجيب له، وينشده أبياتا اشتق معناها من قول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال
فيقوم ابن شهيد ويقبل على رأسه ويقول له لله در أبيك . ثم يسأله فارس بن الصقعب عمن جاذب من الفحول وتفوق عليهم، فيقول المتنبي في قوله:
أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع
وفي قوله:
وأظما فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب
(1) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 132.
(2) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 134.
(3) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 135.