فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 29 من 52

من الأشياء المشتركة في الرسالتين الإوز المتكلم. ففي رسالة التوابع والزوابع نرى إوزة بيضاء حمقاء تسمى العاقلة وتكنى أم خفيف، والتناقض واضح بين الاسم والكنية، وهي مفارقة مقصود منها السخرية بصاحبها الشيخ الذي لم يصرح ابن شهيد باسمه، يقول:"وكانت في البركة إوزة بيضاء شهلاء في مثل جثمان النعامة . . . فقلت لزهير: ما شأنها؟ قال هي تابعة شيخ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها."وبعد أن لاينها وامتدحها سألته:"ما الذي تحسن؟ قلت ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة. قالت ليس عن هذا أسألك، قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. فقالت:حكم الجواب على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان." [1] ثم يختم كلامه مع هذه الإوزة ساخرا منها بقوله:"فقلت لها: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلت فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزة، ودعيني من مثلهم بالحبارى؟ قالت: لا . قلت: فتطلبي عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيبا، وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا." [2] وهذه الإوزة النحوية التي تعترف بحماقتها وغبائها تتحول في رسالة الغفران إلى إوزة ذكية تعرف من ضروب الغناء وأشكاله ما يعرفه معبد وابن سريج، يقول أبو العلاء:"ويمر رف من إوز الجنة، فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظر لأمر - ومن شأن طير الجنة أن يتكلم - فيقول [ابن القارح] : ما شأنكنّ؟ فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها من شَرْب . فيقول على بركة الله القدير."

(1) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 150-151.

(2) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت