في المعارضات الشعرية الضمنية قد يلجأ الشاعر إلى معارضة قصيدة مدحية بقصيدة هجائية،أو رثائية، أو العكس، محولا مضامين القصيدة السابقة إلى ما يخدم موضوعه وهدفه، مستفيدا من تداعيات المعاني بتحويلها إلى أضدادها. وهذا - في رأينا - هو الذي وقع للمعري حين أراد كتابة رسالة الغفران بعد اطلاعه على رسالة التوابع والزوابع . فرحلة ابن شهيد إلى عالم الجن ألهبت خيال المعري فارتحل إلى العالم الآخر، والنتيجة أن كليهما قام برحلة خيالية إلى عوالم لا يعرفها الإنسان إلا بالسماع."ولن تجد موطنا أفسح ولا أوسع من رحلتين خياليتين قامت أولاهما في الأرض السابعة، وارتفعت أخراهما إلى السماء العالية . ثم ألا يكون هذا التناقض المعارض دليل التأثر الواضح حين يذكر الشيء بنقيضه كما يذكر بمثيله على السواء؟" [1] معارضة المعري لابن شهيد في حيله السردية تتمثل في لجوئه إلى الخيال الماورائي واتخاذه مسرحا لبطل رحلته ابن القارح، وهذا اللجوء بحد ذاته يعتبر معارضة ضمنية واضحة لعمل ابن شهيد، ثم تأتي بعد ذلك الأحداث وأبطالها خلال رحلة ابن القارح في الحياة الآخرة لتعزز هذا الاتجاه، وهذا ما سوف نقف عنده في الفقرات التالية:
1-الإوز
(1) البيومي، الأدب الأندلسي، 186-187.