ومن مظاهر سخرية المعري بابن القارح سخريته الضمنية بإيمانه حين مُنِع من دخول الجنة على الرغم من محاولاته المتكررة لرشوة الملائكة وآل البيت المقربين بقصائد المديح، وشهادة قاضي حلب وعدولها على توبته بأخرة من الوقت، وذلك للشفاعة له عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليسمح له بدخول الجنة مباشرة لعدم قدرته على تحمل أهوال يوم الحشر . وبعد شفاعة من فاطمة الزهراء ومساعدة من أخيها إبراهيم عليهما السلام يصل إلى الصراط فلا يستطيع عبوره لتساقطه يمينا وشمالا إلا بمساعدة إحدى جواري فاطمة الزهراء التي تحمله وتطير به على ظهرها كالبرق حتى باب الجنة فيمنعه رضوان من دخولها إلا بجواز وهو لا يملكه، ويرفض أن يعطيه ورقة من أوراق شجر الجنة ليأخذ عليها جوازا إلا بإذن من العليّ الأعلى تقدس وتبارك، فيقول ابن القارح لرضوان:"إنا لله وإنا إليه راجعون لِلَّهِ لو أن للأمير أبي المرجىَّ خازنا مثلك ما وصلت أنا ولا غيري إلى قرقوف من خزانته - والقرقوف الدرهم." [1] ثم يلمحه إبراهيم واقفا عند باب الجنة فيرجع إليه فيجذبه جذبا إليها. وفي هذه القصة التي أجراها أبو العلاء المعري على لسان ابن القارح ما فيها من تهكم وسخرية ولمز لعقيدته وحرصه في الدار الفانية على جمع المال، وتكسبه بالشعر عند أعتاب الأمراء والملوك، وكأنه أراد أن ينتصر لنفسه على طريقة ابن شهيد في التوابع والزوابع؛ لهذا فإننا نرى مع فوزي محمد أمين"أن أبا العلاء لم يكن يصور جنة المعتقد، وإنما هي جنة علائية، أو قُلْ جحيم علائي سَعّره أبو العلاء لابن القارح." [2]
الحيل السردية
(1) انظر قصة ابن القارح في المحشر في رسالة الغفران، 248-262.
(2) فوزي محمد أمين، رسالة الغفران بين التصريح والتلميح (الإسكندرية:دار المعرفة الجامعية، 1993م) ، 121.