وقد جاء رد أبي العلاء تهكميا ساخرا من ابن القارح، ويتجلى تهكمه - كما يقول العجمي"في صورة مبكرة، بل حتى قبل أن يدخل القارئ إلى النص، حيث ينطلق التهكم مباشرة من عنوان الرسالة: رسالة الغفران، إن الغفران الذي يضاف إلى الرسالة لا يعود على رسالة أبي العلاء، كما يتبادر إلى الذهن، وإنما يحيل على الرسالة القارحية. إن الغفران تَحَقّقَ لابن القارح في رسالة أبي العلاء بسبب بركة الرسالة التي أرسلها ابن القارح؛ لأنها أولًا كانت تأمر بتقبل الشرع، وتعيب من ترك أصلا إلى فرع. ولأنها، ثانيا أظهرت غيرة ابن القارح على الدين، وغيظه على الزنادقة والملحدين، ولأنها أخيرا تضمنت ثناء على الله عز وجل. [1] وقد انتهى العجمي إلى أن المعنى الحقيقي لعنوان الرسالة هو (رسالة الخسران في الحياة الدنيا) [2] ويتجلى تهكم أبي العلاء وسخريته من ابن القارح أيضا في محاولته إيجاد فرق معرفي شاسع بين ابن القارح الحقيقي، والذي يراه المعري رجلا جاهلا، وابن القارح القصصي، بطل الغفران الذي صنعه أبو العلاء بنفسه عالما محيطا بكل فنون الأدب واللغة شعرا ونثرا. ويكفي - كما يقول العجمي -"أن نتخيل ردة فعل ابن القارح الحقيقي وهو يتابع ابن القارح القصصي في رسالة الغفران عندما يدرك الفرق المعرفي بين الاثنين فعندما يقرأ ابن القارح هذه القصة الأخروية سيجد نفسه يتحدث عن قضايا أدبية شائكة، ويناقش أعلام الشعراء مناقشة الند، بل المتفوق في بعض الأحيان، ويخوض في مسائل لغوية معقدة، والمفارقة تكمن في أن ابن القارح الحقيقي لا يعرف هذه القضايا، ولا يرتقي إلى مستوى تلك النقاشات في العالم الواقعي." [3] "
(1) العجمي،"بطولة،"57.
(2) العجمي،"بطولة،"58.
(3) العجمي،"بطولة،"59..