ثم يختم ابن القارح رسالته بسؤال المعري أن يجيب عن رسالته هذه، فيقول:"وأسأله - أدامه الله - تشريفي بالجواب عليها؛ فإن هذه الرسالة على ما بها قد استُحسِنت وكُتبت عني وسُمعت مني، وشرفتها باسمه وطرزتها بذكره وإذا جاء جواب هذه سيرتها بحلب وغيرها إن شاء الله وبه الثقة." [1] وقد أثارت رسالة ابن القارح وما فيها من إطراء في نفس المعري ما أثاره كلام ابن حزم وما فيه من إطراء في نفس ابن شهيد الذي راح يتباهى تباهيا صريحا بعلمه وقدراته وتفوقه على غيره. ولم تكن إجابة المعري بعيدة في هدفها عن هدف رسالة ابن شهيد؛ فهي لا تخلو من التباهي غير المباشر بعلمه وسعة اطلاعه على مسائل اللغة والنحو، ومعرفته بأسماء الرجال، وكثرة محفوظه من الشعر والنثر كما هو واضح من نص رسالة الغفران.
تقنية الكتابة
1-تمثل السخرية تقنية مهمة في البناء السردي لرسالتي التوابع والزوابع والغفران، ولكن الهدف من هذه التقنية المشتركة يختلف باختلاف الهدف من كتابة الرسالة نفسها. وقد عرفنا آنفا أن الهدف من كتابة التوابع والزوابع هو انتصار ابن شهيد لنفسه وإبرازها في مظهر المتفوق على جميع أقرانه، في الوقت الذي ينتقص فيه من غيره ويسخر منهم تصريحا لا تلميحا. وهذا الهدف لم تخل منه رسالة المعري، ولكنه جاء تلميحا لا تصريحا وهو يتوجه بالدرجة الأولى إلى ابن القارح نفسه، المحرض الأساسي لكتابة الغفران، كما سنرى في الفقرة التالية.
(1) المعري، رسالة الغفران، 68.