جاءت الرحلة إلى العالم الآخر في رسالة الغفران مقدمة لرد على رسالة بعث بها علي بن منصور المعروف بابن القارح من حلب إلى أبي العلاء المعري يشكو فيها أمره إليه، ويطلعه على بعض أحواله ثم يعرض لأشخاص من الزنادقة والملاحدة أو المتهمين بدينهم فيتحدث عنهم ويذكر شيئا من أخبارهم، ثم يسأله في ختامها أن يجيب عليها. وقد حفزت هذه الرسالة خيال أبي العلاء فحلق في أجواء بعيدة من الخيال قبل الإجابة عنها وذلك حين تخيل ابن القارح قد غفر له وأدخل الجنة بسبب ما جاء في رسالته من تمجيد لله تعالى واصطفى له ندامى من أدباء الفردوس الذين كانوا متنافرين في الدنيا وقد نزع الله ما في صدورهم من غل وأصبحوا إخوانا في الآخرة. ثم يخطر لابن القارح هناك حديث شئ كان يسمى النزهة في الدار الفانية فيركب نجيبا من نجب الجنة خلق من ياقوت ودر، ويلتقي خلال هذه النزهة بعدد كبير من الشعراء الذين اتخذوا منازلهم في الجنة فيحاورهم واحدا واحدا، ويسألهم عن بعض المسائل المستغلقة في أشعارهم ويسأل من مات منهم قبل الإسلام بم غفر له فأدخل الجنة. ثم يبدو لابن القارح"أن يطلع إلى أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم، فيركب بعض دواب الجنة ويسير، فإذا بمدائن ليست كمدائن الجنة، ولا عليها النور الشعشعاني وهي ذات أدحال وغماليل فيقول لبعض الملائكة: ما هذه يا عبد الله؟ فيقول هذه جنة العفاريت الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ،" [1] ثم يتحدث إلى شيخهم الخيثعور من بني الشيصبان. ثم يواصل رحلته حتى يقف على أبواب الجحيم فيرى إبليس وهو يضطرب في الأغلال فيقول له:"الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله وعدو أوليائه." [2] ثم يتحدث مع الشعراء الذين سبقت فيهم كلمة الله.
(1) أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، تحقيق بنت الشاطئ،ط 7 (القاهرة: دار المعارف، 1981م) ، 289-290.
(2) المعري، رسالة الغفران، 309. ...