وجه ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع إلى صديق له اسمه أبو بكر، [1] وقد مهد لرحلته التي أخذته إلى أرض الجن بمدخل قال فيه مخاطبا أبا بكر هذا:"وكان لي أوائل صبوتي هوى اشتد به كلفي، ثم لحقني بعدُ ملل في أثناء الميل، فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة ذلك الملل، فجزعت، وأخذت في رثائه يوما في الحائر، وقد أبهمت علي أبوابه، وانفردت، فقلت:"
تولى الحمام بظبي الخدور ... وفاز الردى بالغزال الغرير
إلى أن انتهيت إلى الاعتذار من الملل الذي كان، فقلت:
وكنت مللتك لاعن قلى ... ولاعن فساد جرى في ضميري
فأرتج علي القول وأفحمت، فإذا أنا بفارس بباب المجلس على فرس أدهم ما بقل وجهه، قد اتكأ على رمحه وصاح بي:"أعجزا يا فتى الإنس؟ قلت: لا وأبيك، للكلام أحيان، وهذا شأن الإنسان لِلَّهِ قال لي: قل بعده:"
كمثل ملال الفتى للنعيم ... إذا دام فيه وحال السرور
فأثبت إجازته، وقلت له: بأبي أنت! من أنت؟ قال: أنا زهير بن نمير، من أشجع الجن . فقلت: وما الذي حداك إلى التصور لي؟فقال: هوى فيك، ورغبة في اصطفائك.فقلت: أهلا بك أيها الوجه الوضاح، صادفت قلبا إليك مقلوبا، وهوى نحوك مجنوبا. وتحادثنا حينا، ثم قال: متى شئت استحضاري فأنشد هذه الأبيات:
والي زهير الحب يا عز إنه ... إذا ذكرته الذاكرات أتاها
إذا جرت الأفواه يوما بذكرها ... يخيل لي أني أقبل فاها
فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت ... أجارع من داري هوى لهواها
(1) ذكر ابن بسام في الذخيرة أن ابن شهيد وجه رسالته إلى أبي بكر بن حزم؛ الذخيرة، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار الثقافة، 1399هـ/1979م) ،1:1: 245، وهو كما ذكر المحقق من بيت يختلف عن بيت ابن حزم الفقيه الظاهري المشهور.