ولبيان أثر نضج المصطلح واكتماله في علوم التراث يتضح الأثر جليًَّا بالمقارنة بين (أصول الفقه) ، و (مصطلح الحديث) من جهة، وبين (علم التفسير) ، فأصول الفقه وعلم النقد الحديثي انضبط الاصطلاح فيهما غالبًا، ووجد فيهما التعقيد والمنهج بمعناه الحقيقي. ولهذا باءت كل محاولات العبث بهما بالفشل، ذلك لأنَّ علم الأصول ضبط العملية الفقهية ضبطًا مُحكمًا، وشكَّلت قواعده مساطر يُحتكم إليها في كتب الفقه المقارن والخلاف العالي، وكذلك علم مصطلح الحديث استطاع ضبط السُّنَّة، وبيان الزائف منها والصحيح، فلم يدعا مجالًا للدخلاء للعبث بالفقه أو السُّنَّة. أمَّا علم أصول التفسير مثلًا الموزَّع بين كتب علوم القرآن، ومقدمات التفاسير، وبعض المصنَّفات في قواعده أو غيرها كغريب القرآن وإعجازه، كل ذلك لا يكاد يخرج عن المضمون العام لما يُعرف بـ (علوم القرآن) ، وهو في حاجة لصياغة علميّة تقيم صلبه، وتشكِّل أركانه بتثمين مصطلحاته، وضبط أنساقه القاعدية والمنهجية، حتى يزول الاضطراب الذي دخل منه عبث تأويلات الباطنية قديمًا وامتثالهم، وما سُمِّي بـ (القراءات الجديدة) حديثًا.
والخلاصة: أنَّ الوزن المعرفي في كل علم رهين مصطلحاته، فالدّراسة المصطلحيّة من أهم الدّراسات لا سيَّما في عصرنا، حيث انفصم كثير من الدّارسين عن مصطلحات التراث وضلَّت عنهم مفاهيمها ومراميها [1] .
المبحث الخامس
مناهج الدّراسة المصطلحيّة
تمهيد:
قضية المنهج هي أهم ما في الدّراسة المصطلحيّة، لأنَّها هي التي تحدِّد مسار الباحث وتمكِّنه من الدّراسة المصطلحيّة، ويمكن تحديد مناهج الدّراسة المصطلحيّة في: المنهج التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج الوصفي التاريخي. وهو ما نتناوله بإيجاز في هذا المحور.
المطلب الأول: المنهج التاريخيّ
(1) قاموس اللسانيات مع مقدمة في علم المصطلح: د. عبد السلام المسدي، مرجع سابق، ص 11-12.