ومن هنا يتضح أنَّ السبق إلى دراسة القواعد دون دراسة مصطلحاتها ضرب من المغامرة، التي إن نجح في خوضها مَنْ خَبِر التراث؛ فإنَّه يهلك دونها كثير من الباحثين المبتدئين. ذلك أنَّ البنية الأساسية للقاعدة هي المصطلح.
لذا يلزم تفسير المصطلح الذي هو جزء من النسق الكلي للقاعدة قبل تفسير القاعدة نفسها.
المطلب الثالث: مرحلة انتقال القاعدة إلى منهج
ويمكن بيان هذه المرحلة ببيان مراحلها التالية:
? تظهر إشكالات أكبر من الإشكالات الصغرى التي صيغت القاعدة لحلها، مما يجعل القاعدة عاجزة عن حلها منفردة.
? عندما تعجز القاعدة الواحدة عن الحل تتضافر القواعد ذات النسق الواحد، فتشكِّل نسقًا مركَّبًا من ذاتها هو المسمَّى بـ (المنهج) .
فالمنهج هو تركيب نسقي أعلى لمجموعة من القواعد ذات الطبيعة المشتركة أو المجتمعة على قاسم مشترك معيّن.
فمثلًا إذا نظرنا إلى (القياس) كمنهج لا كمصطلح، أي العملية الاجتهادية أو الحركة العقلية القائمة على الحكم للفرع بحكم الأصل لعلة جامعة بينهما؛ نجد أنَّ المجتهد هنا يحرِّك آلة أشبه ما تكون بمحرك السيارة، القائم على مجموعة من القوانين الميكانيكية، هي القواعد التي يقوم عليها الإشكال الأكبر. فالقياس ـ بهذا المعنى ـ ليس سوى تركيب نسقي أعلى منظم لقواعد شتى، منها مثلًا قاعدة: (الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا) ، وقاعدة: (لا اجتهاد مع النص) ، وقاعدة: (كل حكم شرعي أمكن تعليله؛ فالقياس جار فيه) ، وقاعدة: (إذا كان الجامع موجبًا للاجتماع على الحكم؛ كان قياسًا صحيحًا، وإلاَّ كان فاسدًا) ، وقاعدة: (الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره) . بالاضافة إلى القواعد المتعلقة بتخريج المناط وتنقيحه، وقواعد السَّبْر والتقسيم.
فالقياس إذًا إعمال منظم لهذه القواعد وأحكامها، ولك أن تقول: هذه القواعد في نسقها الوظيفي، تشكِّل عملية مركّبة، هي (منهج القياس) .