والقياس كذلك كمفهوم عرف مع بعض الصحابة كعمر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ كما يدلُّ على ذلك رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ في القضاء بقوله:"الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أشبهها بالحق" [1] .
ومثله تفكير علي - رضي الله عنه - في حد شارب الخمر بقوله:"من شرب هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري" [2] يعني حد القاذف، فحكم عليه بمثل حدَّه ثمانين جلدة.
هذه إرهاصات لما سيولد بعد ويتبلور عند الأئمة المجتهدين من مفهوم دقيق يجمعه مصطلح (القياس) في دلالاته الجديدة.
وبناءً على ما سبق يمكن القول بأنَّ المصطلح يمر بمراحل ثلاثة: تبدأ بمرحلة استقرار المصطلح، ثم تتلوها مرحلة الانتقال للقاعدة، ثم تنتهي بانتقال القاعدة لمنهج، وبذلك تكتمل مراحله. وإليك تفصيل تلك المراحل.
مرحلة استقرار المصطلح:
هذه المرحلة تتبلور بعد مرورها بخطوات ثلاث يتداخل بعضها مع بعض تتمثل فيما يلي:
[1] تدعو الحاجة العلمية لوجود المفهوم.
[2] ثم يتردّد ويتداول بلفظ أو عدة ألفاظ .
[3] وأخيرًا يستقر في مصطلح ما، فيسجل بذلك أول بداية العلم.
المطلب الثاني: مرحلة الانتقال للقاعدة
[1] يتراكم استعمال المصطلحات.
[2] تنتقل من كونها أوصافًا لمفاهيم بسيطة في توظيف المصطلحات إلى سبكها في نسق مركَّب، هو المسمَّى بـ (القاعدة) . لأنَّ المصطلحات أوصاف لمفاهيم بسيطة، فإذا انتقلت الحاجة من العلمية من مستوى البساطة إلى مستوى التركيب والتعقيد؛ عندها يحدث تطوُّر في توظيف المصطلحات، وذلك بسبكها في نسق مركَّب هو المسمَّى بـ (القاعدة) .
(1) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: محمد بن الحسن الحجوي، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، 1396هـ، ط/1، 1/ 238.
(2) المستصفى للغزالي، مرجع سابق، 1/287.