الصفحة 13 من 26

كما أنَّ القول بأنَّ القياس الأصولي لا يستجيب إلاَّ لنوازل المناكحات والعبادات، أمر مبالغ فيه لمن أدرك مصطلح القياس إدراكًا جامعًا، فلم تزل: العلل المؤثِّرة للتصريح باعتبارها [1] ، والملائمة ـ وهي المنصوص على أجناسها ، وأجناس أحكامها [2] ـ؛ مادة للقياس في أمور الاقتصاد والمعاملات جملة، فلا يُعقل أن تُجعل الحادثات الجديدة كلها من قبيل ما لا يرجع إلاَّ للعلل المرسلة، بالرغم من أنَّه لا يجادل منصف في ما لها من حظ وافر فيما هو واقع أو متوقّع. وإنَّما تتحقق المهلكة إذا حكمنا بالضِّيق على مصطلح شرعي كلَّما ضاقت عنه أفهامنا.

ولعلَّ كثيرًا من علوم التراث جملة ليست بحاجة إلى تجديد ذاتها، بقدر ما هي في حاجة إلى تجديد الفهم لها: أمَّا لجدَّتها في نفسها أبدًا، أو أنَّ عملنا لم يستعمل من مساحة مفاهيمها إلاَّ القليل، فلم تستنفد بعد أغراضها وطاقتها.

وتجديد الدِّين إنَّما هو تجديد الفهم له، والعمل به. وهو بهذا المعنى ذواتنا لا ذات الدِّين، ولهذا فسُنَّة الله في خلقه ألاَّ يغيِّر ما بهم [الأنفال: 53، والرعد: 11] .

المطلب الرابع: إشكالية دراسة المصطلح التراثيّ

تكمن الإشكالية في دراسة المصطلح في كونه أخطر ضروب البحث مغامرة، ويرجع ذلك لأسباب ثلاثة:

الأول: غاية الدّراسة أن يقول الدارس: هذا هو مراد المتكلّم، والمتكلّم إنَّما تلَفَّظ بالكلام تعبيرًا عن مقصد يعنيه، فكان له مدخل بالنية، وعليه ليس لكائنِ من كان أن يجزم جزمًا بأنَّ هذا الخطاب (ما صدق) ذلك المقصود، وإن كان أصل الوضع فيه إنَّما هو لذلك.

(1) لترى أمثلة لهذا النوع انظر: الإحكام في أصول الأحكام: سيف الدين الآمدي، 3/52. التلويح على التوضيح لصدر الشريعة، 2/72، نهاية السول للإسنوي، 3/68.

(2) للوقوف على أمثلة هذا النوع راجع: المستصفى، للغزالي، 2/71، وفواتح الرحموت، 2/ 267، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، 2/242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت