... لجأ المسلمون إلى المسجد في جميع أحداث حياتهم حتى المنازعات والخصومات والمطالبات وسد الحاجات وحل المشكلات وغيرها من المطالب الإنسانية التي لا يخلو منها مجتمع وإن كانت في العصر النبوي أقل بكثير جدًا منها في أي عصر آخر نظرًا للزهد في الدنيا وشدة الارتباط بالآخرة والحرص على تنفيذ أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - (حتى إن الرجل ليأتيه ما يريد من الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها) [1] ، وذلك من شدة تأثره بحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يراه من زهده في الدنيا وعدم الإمساك على شيء منها وعدم الحرص عليها.
... وكما كان المسجد مكان اجتماع النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه فهو أيضًا مكان بيعهم وشرائهم وانتظار تجارتهم حتى إن أول مزاد أقيم في الإسلام كان بالمسجد حين حضر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يسأله شيئًا من المال فسأله الرسول - صلى الله عليه وسلم - (هل في بيتك شيء؟) فيجيب الرجل بأن عنده فرشًا يجلس عليه وكوبًا يشرب فيه فطلب منه إحضارها وأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - مزادًا على الصحابة ثم أخذ المال وعمل للرجل أداة يحتطب بها وأمره بالعمل والتكسب خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه [2] .
... وبذلك المزاد العلني الذي شهده مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان التوجيه النبوي والحث على العمل لأن العمل خير من المسألة والبطالة.
(1) -الرسول - صلى الله عليه وسلم -: سعيد حوى. الطبعة الرابعة 1979م، دار الكتب العلمية، بيروت، دار البار للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، ص 15
(2) -هذا الحبيب يا محب: أبو بكر الجزائري. الطبعة الرابعة 1417هـ - 1996م، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ص 295.