من هنا ندرك أن منهج التفكير العربي بخلاف الأعجمي لا يقوم على الأضداد ، ولا يقبل بالتفكيك ، في مشروع الحي ، فالولادات المستمرة تحقق هذا الامتداد ، الذي ينهي من خلال الاستخلاف أزمة آدم في بحثه عن الخلد . إن الموت ليس نقيض الحياة ، بل هو سلبها ، والأنثى ليست نقيض الذكر بل هي سلبه ، والسالب هو امتلاء وإيجاب في السلب ، ولكنه سلب في الإيجاب ، مثلما الإيجاب هو امتلاء في الإيجاب ، ولكنه نقص وسلب في السلب ، ولولا ذلك لانتفت الولادة ، وانطفأت الحياة ، كما ينطفئ نور المصباح . فالحياة والولادة هي مشروع صيرورة وتفاعل ، أي مشروع مشاركة ، تمامًا مثل التفاعل بين العناصر الكيميائية ، فلا يمكن لقلوي أن يتفاعل مع قلوي ، أو حامض أن يتفاعل مع حامض ، والتفاعل هو تنازل عن بعض خصائص العنصر لمصلحة التفاعل ، تمامًا مثل التفاعل الاجتماعي ، حيث يتنازل الإنسان ( الأنا ) على بعض من خصائصه الأنوية ، لمصلحة العلاقة مع الأنا المقابل ، ومن هذا التنازل تتحول الأنا إلى ذات ، فتكون مع الذات الأخرى موضوعًا ، والتكون في العربية هو عمل إرادي ، يقابله في الماديات التشكل ، أي القابلية للوضع ضمن أشكال .