إن منهج التفكير العربي هو منهج إنساني . وهنا أقول بالمنهج وليس بالعروبة جنسًا، أو جيلًا من الناس ، فالله قد خلق الإنسان إنسانًا بيانيًا ، أي معربًا ، حيث الإعراب هو الوضوح ، وعلم الإنسان القرآن ، أي علمه القراءة . والبيان والقراءة مشروعان للإنسان بمقتضى الرحمة الإلهية:""الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ"، وكما يتضح من هذه الآية أن العلم مرتبط بالقرآن باعتباره مشروعًا إنسانيًا للقراءة ، وللقراءة البيانية ، في حين أن الحسبان ، هو تعلم الحسابات ، أي تعلم القدر والمقادير ، ومن ثم تضعنا هذه الآية ضمن مشروع الفهم والمفاهيم ، التي هي بعض المعنى . فالمفهوم هو بعض المعنى ولكنه ليس المعنى ، فالعلاقة علاقة بعضية ، لا جزئية ، والبعضية في البيان العربي تشير إلى العلاقة العضوية . فجسم الإنسان هو نمو لأعضاء ، أي لتكاثر في الخلية الملقحة ، وليس تركيبًا يقتضي تفكيكًا ، كما هو في منهج التفكير الأعجمي ، والإنسانية هي كهذه الخلية ، عملية تكاثر واستخلاف ، ومن ثم فإن التاريخ هو كذلك ، والبيان العربي يفرق بين ألف الامتداد ، أو المد ، مثل التي في كلمة ( تاريخ ) ، وبين ألف القطع ، كما في كلمة ( تأريخ ) ، حيث همزة القطع تعني القطيعة ، وهنا يتم اقتطاع بعض من معطيات الفعل التاريخي الإنساني ، وهو امتداد الفعل الزمني أو المكاني ، ووضعه بين قوسين ، وربما هو هذا الذي يعكس نتاج الفكر المتقطع ، الذي يسمح بالقطيعة مع التاريخ ، وبوضع الإنسان بين قوسين ، أو وضع بعض من العبارة بين قوسين ، وهنا نعيد القول إلى العلاقة بين الحياة بمفهومها العام وبين الكلام ، والعبارة في مفهومها العربي ."