الصفحة 30 من 97

فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( مَن يُضيفُ هذا اليلةَ )

فقال رجل من الانصار: أنا يا رسول الله . فانطلقَ به إلى رحله ، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء ؟ فقالت: لا ، إلا قوت صبياني . قال: علّليهم بشيء إذا أرادوا العشاء ، فَنَوِّميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فأطفئي السراج ، وأريه أنّا نأكل . فقعدوا ، وأكل الضيفُ ، وباتا طاويين [1] .

فلما أصبح غدا على النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( لقد عجب [2] الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ) ) [3] .

يأتي فقير إلى مجلس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سيّد المدينة وحاكمها ، موقنًا أنه سيلقى طعامًا يملأ معدته ، فقد قرَّحها جوعه الشديد وأضعفه ، فما عاد يقوى على الحركة . أوَليس المالُ كلّه والطعام جلّه في بيوت المالكين وأصحاب القرار ، ومَن بيدهم مقاليد الأمور ؟!! لقد وقع إذًا على طِلبته ، ووصل إلى مكان راحته . .

نعم ، لقد وصل إلى طلبته ، ومكان راحته ، لكنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس همُّه الطعامُ ولا الشرابُ ، ولم يكن يحفل بملذات الدنيا ، فما كان يوقد في بيته نار ولا يُطهى طعام إلا في أوقات متفرّقة ، وكان جلَّ طعامه الأسودان (( الماء والتمر ) )كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها [4] ، فليس غريبًا ـ إذًا ـ أن يرسل إلى زوجاته يسألهن ما يملأ معدة هذا الرجل الفقير فيأتيه الردُّ: لا والذي بعثك بالحق ، ما عندي إلا الماء .

(1) جائعَين: معدتهما خاويتين . شبَّه المعدة الخاوية بشيء يُطوى لفراغه .

(2) المراد بالعجب الرضا ، فقد رضي الله سبحانه ـ وهو الكريم ـ عن فعلهما الذي يدل على الكرم .

(3) رواه البخاري برقم ( 3798 ، 4889 ) ، ومسلم برقم ( 2054 ) .

(4) كما ورد في صحيح البخاري برقم ( 2567 ، 6459 ) ، ومسلم برقم ( 2972 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت