فالجواب عن ذلك: أن قوله (( ومن يفعل ذلك عدوانًا ) ) [ النساء: 3 ] يحتمل أن يقع على جميع من يفعل ذلك ، ويحتمل أن يقع على بعض لأن لفظ (( من ) )يقع في اللغة مرة على الكل ، ومرة على البعض ، فلما كانت صورة اللفظ ترد مرة ، ويراد بها البعض وترد أخرى ، ويرادبها الكل لم يجز أن يقطع على الكل بصورتها كما لا يقطع على البعض بصورتها .
وكذلك لا يقضي بقوله: (( وإن الفجار لفي جحيم(14) ))، و (( الذين يأكلون ) ) [ النساء: 10 ] على بعض ولا على كل إذا كان يقع لك تارة على الكل ، وتارة على البعض .
ولو جاز لزاعم أن يزعم: أن الصورة إنما هي للكل حتى تأتي دلالة البعض لم يكن هذا لزاعم بزعمه هذا أولى ممن قال: صورة هذا القول يوجب القضاء على البعض إلى أن تقوم دلالة الكل .
فلما تكافأ القائلان في قولهما وجب أن يكون القولان جميعًا ملغيين .
وقد قال زهير: [ الطويل ]
ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسمٍ
وليس كل من لا يصانع كذلك وقال: [ الطويل ] :
ومن لا يظلم الناس يظلم .
وليس كل من لا يظلم الناس يظلم . ويقول القائل: (( جاءني من أحببت ) )، وإنما يعني واحدًا .
ويقول: (( جاءني التجار ) )، وإن لم يكن الكل جاءه ، و (( جاءني جيراني ) )، وإن لم يأته جميعهم .
ويقول القائل: (( لعنني الفجار بما كرهت ) )، ولا يعني جميعهم ، فلما كانت هذه الألفاظ ترد مرة يراد بها الكل وترد أخرى يراد بها البعض لم يجز أن يقضي على الكل دون البعض ، ولا على البعض دون الكل إلا بدلالة .