فإن قال قائل: هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة ؟ قيل له: لله تعالى ذلك ، وهو عادل إن فعله ، وكذلك كل ما يفعله على جرم متناهٍ بعقاب لا يتناهى ، وتسخير الحيوان بعضهم لبعض ، والإنعام على بعضهم دون بعض ، وخلقه إياهم مع علمه بأنهم يكفرون كل ذلك عدل منه .
ولا يقبح من الله لو ابتداهم بالعذاب الأليم وأدامه ، ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ، ويدخل الكافرين الجنان ، وإنما نقول: إنه لا يفعل ذلك لأنه أخبرنا: أنه يعاقبل الكافرين ، وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره .
والدليل على أن كل ما فعله فله فعله أنه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ، ولا فوقه مبيح ، ولا آمر ، ولا زاجر ، ولا حاظر ، ولا من رسم له الرسوم ، وحد له الحدود .
فإن كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء ؛ إذ كان الشيء إنما يقبح منا لأنا تجاوزنا ما حد ورسم لنا ، وآتينا مالم نملك إتيانه .
فلما لم يكن الباري مملكًا ، ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء .
فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه . قيل له: أجل ، ولو حسنه لكان حسنًا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض .
فإن قالوا: فجوزوا عليه أن يكذب كما جوزتم أن يأمر بالكذب . قيل لهم: ليس كل ما جاز أن يأمر به جاز أن يوصف به .
ألا ترون أنه قد أمرنا أن نصلي ، ونخضع ، ونتحرك ، ولا يجوز عليه أن يصلي ، ويخضع ، ويتحرك لأن ذلك مستحيل عليه ، وكذلك لا يجوز عليه الكذب ليس لقبحه ، ولكن لأنه يستحيل عليه الكذب ، ولا يجوز أن يوصف بالقدرة على أن يكذبكما لا يجوز وصفه بالقدرة على أن يتحرك ويجهل .
ولو جاز لزاعم أن يزعم أنه يوصف الباري بالقدرة على أن يكذب ، ولا يوصف بالقدرة على أن يجهل ، ولا يأتي بين ذلك بفرقان لجاز لقالب أن يقلب القصة ، فزعم أن الباري يوصف بالقدرة على أن يجهل ، ولا يوصف بلاقدرة على أن يكذب . فلما لم يجز ذلك بطل ما قالوه .