وقول موسى: (( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ(88) )) [ يونس: 88 ] فلم يقدروا إذا رأوا العذاب الملجئ لهم إلى الإيمان أن يؤمنوا ، ولو استطاعوا ذلك لآمنوا عند معاينتهم لأول العذاب النازل بهم .
ومثل ذلك في كتاب الله تعالى كثير ، وفيما دللنا به كفاية ومثله قوله تعالى (( إلا قوم يونس لما ءامنوا ) ) [ يونس: 98 ] .
مسألة
[ قوله تعالى: (( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) )]
ومن سأل عن قول ابنة شعيب لأبيها: (( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ(26) )) [ القصص: 26 ] فزعم الجبائي إن معنى هذا الآية أنها أخبرت عنه أنه قوي على ما يحتاج إليه أبوها من الأعمال ، واستدل فيما زعم بذلك على أن الاستطاعة قبل الفعل .
فما أعجزه من أي طريق استدل بهذه الآية على هذا الفصل ، وذلك أنها لم تعرف موسى من قبل قلعه للحجر الذي قلعه ونزعه بالدلو الذي نزع ، وإنما لما عاينت من شدته وقوته وأمانته .
وذلك أنها لما رجعت إليه في المرة الثانية فقالت له: (( إن أبي يدعوك ) ) [ القصص: 25 ] . قال لها: (( امشي خلفي واهديني الطريق ) )، ففعلت ذلك ، فكانت الريح تصفها له فأدركت موسى عليه السلام الخشية فقال لها: (( امشي خلفي وعرفيني الطريق بلسانك يمنة ويسرة وتلقاءه ) )، ففعلت ذلك .
فلما جاءت إلىأبيها وقالت له: (( إنه قوي أمين ) )فرد عليها ردًا شديدًا وقال لها: (( يا ابنتي أما قوه فقد علمت بها لما رأيت منه فبم عرفت أمانته ) )، فأخبرته بما رأته منه .
فكيف علمت أنه كان مستطيعًا لما قبل الفعل وإنما ظهر لها ذلك منه بعد فعله إياه .
فصح عندنا وصحت الحجة على من خالفنا أن ينبغي أن تكون استطاعته لذلك مع نفس فعله له .