قيل لهم: كذلك نقول ، فإن قالوا: فإذا كان في عدم احتمال البنية للفعل عدم الفعل ، فلم لا يكون في وجود احتمال البنية للشيء وجوده ؟
قيل لهم: كذلك نقول لأن البنية لا تحتمل إلا ما يقوم بها ، وكلما تعارضونا به في هذه العلة ، فالجواب فيه كالجواب في الجارحة والحياة لأنه ليس عدم الكسب لعدمه .
ومما يدل على أن الاستطاعة مع الفعل قول الخضر لموسى عليهما السلام: (( إنك لن تستطيع معي صبرًا ) ) [ الكهف: 67 ] .
فعلمنا أنه لما لم يصبر لم يكن للصبر مستطيعًا ؛ وفي هذا بيان أن ما لم تكن استطاعة لم يكن الفعل ، وأنها إذا كانت كان لا محالة .
ومما يبين ذلك أن الله تعالى قال: (( ما كانوا يستطيعون السمع ) ) [ هود: 20 ] ، وقال: (( وكانوا لا يستطيعون سمعًا(100) )) [ الكهف: 101 ] ، وقد أمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه .
فدل ذلك على جواز تكليف ما لا يطاق وإن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعًا .
فإن قالوا: ألا يستطيعون الاستقبال . قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إنهم لا يستطيعون قبول الحق للاشتغال بتركه .
مسألة
[ أليس قد كلف الله تعالى الكافرين الإيمان ]
فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان ؟ قلنا له: نعم . فإن قال: فيستطيع الإيمان .
قيل له: لو استطاعه لآمن ، فإن قال: فكلفه مالا يستطيع قيل له هذا كلام على أمرين .
إن أردت بقولك: إنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه فلا ، وإن أردت أنه لا يستطيعه لتركه واشتغاله بضده فنعم .
فإن قال: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى كلف الكافر ما يعجز عنه لتركه له . قيل له: العجز عن الشيء أنه يخرج عنه وعن ضده فلذلك استحال أن يعجز العاجز عن الشيء لتركه له .
فإن قال: ما أنكرت أن يكون القادر على الشيء قادرًا على ضده كما كان العاجز عن الشيء عاجزًا عن ضده .