فإن قال قائل: حدثونا عن توأمين كانا في برية فوقع بقلب أحدهما أن الله واحد من ألقى ذلك في قلبه قلنا له: الله تعالى .
فإن قال: أفحق ما ألقاه بقلبه . قيل له: نعم . فإن قال: أفصدقه فيما ألقاه بقلبه .
قيل: صدق الله تعالى لا يكون إلا كلامه ، وما وقع بقلب الإنسان ليس بكلام الله تعالى ، فيقال: إن الله تعالى صدقه فيه .
فإن قال: فإن الآخر وقع في قلبه أن الله ثالث ثلاثة من ألقى ذلك بقلبه . قيل له: الله تعالى .؟
فإن قال: أفباطل ما ألقاه بقلبه . قيل له: نعم . فإن قال: أفصدقه فيما ألقاه بقبه أم كذبه . قيل: خطأ أن يقال له: صدقه فيه ، لأن صدق الباري من صفات نفسه وهو كلامه .
وخطأ أن يقال: كذبه فيه لأن الكذب لا يجوز على الباري تعالى ، لأنه مستحيل أن يكذب ، وليس يجب إذا خلق كذبًا لغيره وكذبًا في قلب غيره أن يكون كاذبًا كمالًا يجب إذا خلق قدرة في غيره وإرادة في غيره وحركة في غيره أن يكون بذلك قادرًا مريدًا متحركًا .
مسألة
[ تسمية القدرية ]
فإن قالوا: لم سميتمونا قدرية ؟ قيل لهم: لأنكم تزعمون في أكسابكم أنكم تقدرونها وتفعلونها مقدرة لكم دون خالقكم .
والقدري هو من ينسب ذلك لنفسه كما أن الصائغ هو من يعترف بأنه يصوغ دون من يزعم أن يصاغ له والنجار هو من يدعي أنه ينجر دون من يعترف بأنه ينجر له ولا ينجر شيئًا .
وكذلك القدري من يدعي أنه يفعل أفعاله مقدرة دون ربه ويزعم أن ربه لا يفعل من اكتسابه شيئًا .
فإن قال: يلزمكم أن تكونوا قدرية لأنكم تثبتون القدر . قيل لهم: نحن نثبت أن الله تعالى قدر أعمالنا وخلقها مقدرة لنا ولا نثبت ذلك لأنفسنا .
فمن أثبت القدر لله تعالى وزعم الأفعال مقدرة لربه لا يكون قدريًا كما أن من أثبت الصياغة والنجارة لغيره لا يكون صائغًا ولا نجارًا .
ولو كنا قدرية بقولنا أن الله فعل أفعالنا مقدرة لنا لكانوا قدرية بقولهم: إن الله تعالى فعل أفعاله كلها مقدرة له .