ولو كنا بقولنا: إن الله قدر المعاصي قدرية لكانوا بقولهم: إن الله قدر الطاعات قدرية . فلما لم يكن كذلك بطل ما قالوه .
الباب السادس
باب الكلام في الاستطاعة
[ الإنسان يستطيع باستطاعةٍ هي غيره ]
فإن قال قائل: لم قلتم أن الإنسان يستطيع باستطاعة هي غيره ؟ قيل له: لأنه يكون تارة مستطيعًا وتارة عاجزًا كما يكون تارة عالمًا وتارة غير عالم وتارة متحركًا ، وتارة غير متحرك ، فوجب أن يكون مستطيعًا بمعنى هو غيره كما وجب أن يكون عالمًا بمعنى هو غيره ، وكما وجب أن يكون متحركًا بمعنى هو غيره لأنه لو كان مستطيعًا بنفسه ، أو بمعنى تستحيل مفارقته له لم يوجد إلا وهو مستطيع فلما وجد مرة مستطيعًا ومرة غير مستطيع صح وثبت أن استطاعته غيره .
فإن قال قائل: فإذا أثبتم له استطاعة هي غيره فلم زعمتم أنه يستحيل تقدمها للفعل ؟
قيل له: زعمنا ذلك من قبل أن الفعل لا يخلو أن يجون حادثًا مع الاستطاعة في حال حدوثها أو بعدها .
فإن كان حادثًا معها في حال حدوثها فقد صح أنها مع الفعل للفعل ، وإن كان حادثًا بعدها ، وقد دلت الدلالة على أنها لا تبقى وجب حدوث الفعل بقدرة معدومة .
ولو جاز ذلك لجاز أن يحدث العجز بعدها فيكون الفعل واقعًا بقدرة معدومة ، ولو جاز أن يفعل في حال هو فيها عاجزًا بقدرة معدومة لجاز أن يفعل بعد مائة سنة من حال حدوث القدرة ، وإن كان عاجزًا في المائة سنة كلها بقدرة عدمت من مائة سنة وهذا فاسد .
وأيضًا فلو جاز حدوث الفعل مع عدم القدرة ووقع الفعل بقدرة معدومة لجاز وقوع الإحراق بحرارة نار معدومة وقد قلب الله النار بردًا ، والقطع بحد سيف معدوم وقد قلب الله تعالى السيف قصبًا ، والقطع بجارحة معدومة وذلك محال . فإذا استحال ذلك وجب أن الفعل يحدث مع الاستطاعة في حال حدوثها .
فإن قال: ولم زعمتم أن القدرة لا تبقى ؟ قيل له: لأنها لو بقيت لكانت لا تخلو أن تبقي لنفسها أو لبقاء يقوم بها .