فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 74

وقد علمنا أن الفعل لا يحدث على حقيقته إلا من محدث أحدثه عليها لأنه لو جاز أن يحدث على حقيقته لا من محدث أحدثه على ما هو عليه لجاز أن يحدث الشيء فعلًا لا من محدث أحدثه فعلًا .

فلما لم يجز ذلك صح أنه لم يحدث على حقيقته إلا من محدث أحدثه على ما هو عليه وهو قاصد إلى ذلك لأنه لو جاز حدوث فعل على حقيقته لا من قاصد لم يؤمن أن تكون الأفعال كلها كذلك كما أنه لو جاز حدوث فعل لا من فاعل لم يؤمن أن تكون الأفعال كلها كذلك .

وإذا كان هذا هكذا فقد وجب أن يكون للكفر محدث أحدثه كفرًا باطلًا قبيحًا وهو قاصد إلى ذلك ولن يجوز أن يكون المحدث له هو الكافر الذي يريد أن يكون الكفر حسنًا صوابًا حقًا فيكون على خلاف ذلك .

وكذلك للإيمان محدث أحدثه على حقيقته متعبًا مؤلمًا مرمضًا غير المؤمن الذي لو جهد أن يقع الإيمان خلاف ما وقع من إيلامه وإتعابه وإرماضه لم يكن له إلى ذلك سبيل .

وإذا لم يجز أن يكون المحدث للكفر على حقيقته الكافر ولا المحدث للإيمان على حقيقته المؤمن فقد وجب أن يكون محدث ذلك هو الله تعالى رب العالمين القاصد إلى ذلك لأنه لا يجوز أن يكون أحدث ذلك جسم من الأجسام لأن الأجسام لا يجوز أن تفعل في غيرها شيئًا .

فإن قال قائل: فلم لا دل وقوع الفعل الذي هو كسب على أنه لا فاعل له إلا الله كما دل على أنه لا خالق له إلا الله تعالى قيل له: كذلك نقول .

فإن قال: فلم لا ؟ دل على أنه لا قادر عليه إلا الله عز وجل . قيل له: لا فاعل له على حقيقته إلا الله تعالى ، ولا قادر عليه أن يكون على ما هو عليه من حقيقته أن يخترعه إلا الله تعالى .

فإن قال: فلم لا دل كونه كسبًا على حقيقته على أنه لا مكتسب له في الحقيقة إلا الله ؟

قيل له: الأفعال لا بد لها من فاعل على حقيقتها ، لأن الفعل لا يستغني عن فاعل فإذا لم يكن فاعله على حقيقته الجسم وجب أن يكون الله تعالى هو الفاعل له على حقيقته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت