وليس لا بد للفعل من مكتسب يكتسبه على حقيقته كما لا بد من فاعل يفعله على حقيقته ، فيجب إذا كان الفعل كسبًا كان الله تعالى هو المكتسب له على حقيقته .
ألا ترى أن حركة الاضطرار تدل على أن الله تعالى هو الفاعل لها على حقيقتها ولا تدل على أن المتحرك بها في الحقيقة هو الله تعالى إذا كانت حركة كما كان هو الفعال لها في الحقيقة ولا يجب أن يكون المتحرك المضطر إليها فاعلًا لها على حقيقتها إذا كان متحركًا بها على الحقيقة إذ كان معنى المتحرك أن الحركة حلته، ولم يكن جائزًا على ربنا تعالى .
وكذلك إذا كان الكسب دالًا على فاعل فعله على حقيقته لم يجب أن يدل على أن الفعال له على حقيقته هو المكتسب له ، ولا على أن المكتسب له على الحقيقة هو الفاعل له على حقيقته إذ كان المكتسب مكتسبًا للشيء لأنه وقع بقدرة له عليه محدثه ، ولم يجز أن يكون رب العالمين قادرًا على الشيء بقدرة محدثه فلم يجز أن يكون مكتسبًا للكسب وإن كان فاعلًا في الحقيقة .
فإن قال: فهل اكتسب الإنسان الشيء على حقيقته كفرًا باطلًا وإيمانًا حسنًا ؟ قيل له: هذا خطأ وإنما معنى (( اكتسب الكفر ) )إنه كفر بقوة محدثه وكذلك قولنا: ( اكتسب الإيمان ) ) . إنمامعناه أنه آمن بقوة محدثه من غير أن يكون اكتسب الشيء على حقيقته ، بل الذي فعله على حقيقته هو رب العالمين .
والقول في الكذب ، وإن له فاعلًا يفعله على حقيقته ، وكاذبًا به غير من فعله على حقيقته كالقول في فاعل الحركة على حقيقتها ، والمتحرك بها على الحقيقة غير من فعلها على حقيقتها وقد بينا ذلك آنفًا .
ودليل آخر من القياس على خلق أفعال الناس إن الدليل على خلق الله تعالى حركة الإضطرار قائم في خلقه حركة الاكتساب ، وذلك أن حركة الاضطرار إن كان الذي يدل على أن الله تعالى خلقها حدوثها فكذلك القصة في حركة الاكتساب .
وإن كان الذي يدل على خلقها حاجتها إلى مكان وزمان فكذلك قصة حركة الاكتساب .