فلو كان النظر لا يكون إلا بالقلب لوجب إذا ذكره مع ذكر الوجه أن يرجع به إلى القلب .
فلما كان النظر قد يكون بالوجه وبغيره وجب إذا قرنه بذكر الوجه أن يريد به نظر الوجه كما أنه إذا قرنه بذكر القلب وجب أن يريد به نظر القلب .
مسألة
[ قوله تعالى: (( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) )]
فإن قالوا: فما معنى قوله تعالى: (( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ) [ الأنعام: 103 ] . قيل لهم: في الدنيا دون الآخرة لأن القرآن لا يتناقض .
فلما قال في آية أخرى أنه تنظر إليه الأبصار علمنا أن الوقت الذي قال أنه لا تدركه الأبصار فيه غير الوقت الذي أخبرنا أنها تنظر إليه فيه .
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23) )) [ القيامة: 23 ] أي إلى ثواب ربها ناظرة ؟
قيل له: ثواب الله تعالى غيره ، ولا يجوز أن يعدل بالكلام عن الحقيقة إلى المجاز بغير حجة ولا دلالة .
ألا ترى أن الله تعالى لما قال: (( صلوا إلي واعبدوني ) )لم يجز أن يوقل قائل عنة غيره ، ولو جاز لزاعم أن يقول قوله: (( لا تدركه ) ) [ الأنعام: 103 ] أراد به أنها لا تدرك غيره الأبصار لجاز لزاعم أن يزعم أن قوله صلوا إلي واعبدوني أراد به غيره فإذا فسد هذا فسد ما قاله .
فإن قال قائل: فإذا كان قوله: (( لا تدركه الأبصار ) ) [ الأنعام: 103 ] في وقت دون وقت فما أنكرت أن يكون قوله: (( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ) [ البقرة: 255 ] في وقت دون وقت .
قيل له: الفرق بينهما أنه قال لنا في آية أنه لا تدركه الأبصار وقال في آية أخرى أن الوجوه تنظر إليه ، فاستعملنا الآيتين ، وقلنا: إن المعنى في ذلك أنها تنظر إليه في وقت ولا تدركه في وقت .
ولم يقل لنا في آية أن السنة والنوم يأخذانه وفي آية أخرى لا يأخذانه فيستعمل في وقتين .