قيل لهم: أوليسوا مع الإلجاء قادرين أن يكفروا ، كما هم قادرن على أن يؤمنوا ، فكيف يجب بالإلجاء كون الإيمان منهم وهم قادرون ألا يكون منهم إيمان مع الإلجاء كما هم قادرون على الإيمان مع عدم الإلجاء ؟
فإن قالوا: ليس في كون ما لا يريده إيجاب ضعف كما ليس في كون ما لم يأمر به إيجاب ضعف .
قيل لهم: قد كانت أفعاله عندكم ولم يأمر بها ، ولا يلحقه ضعف ولو كانت ، وهو لا يريدها لحقه الضعف ، فكذلك كون ما لم يأمر به من غيره لا يوجب له ضعفًا ، وفي كون مالم يرده من غيره ما يدل على الضعف .
وأيضًا فإن مالم يأمر به ونهى عنه وأراد وقوعه فلذلك لم يلحقه الضعف .
الباب الرابع
باب الكلام في الرؤية
[ رؤية الله تعالى باللإبصار جائزة ]
إن قال قائل: لم قلتم إن رؤية الله تعالى بالإبصار جائزة من باب القياس ؟
قيل له: قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الباري تاعلى ويستحيل عليه فإنما لا يجوز لأن في تجويزه إثبات حدثه ، أو إثبات حدث معنى فيه ، أو تشبيه ، أو تجنيسه ، أو قلبه عن حقيقته ، أو تجويره ، أو تظليمه ، أو تكذيبه .
وليس في جواز الرؤية إثبات حدثه لأن المرئي لم يكن مرئيًا لأنه محدث ولو كان مرئيًا لذلك للزمهم أن يرى كل محدث وذلك باطل عندهم .
على أن المرئي لو كان مرئيًا لحدوثه لكان الرائي محدثًا للمرئي إذ كان مرئيًا لحدوثه .
وليس في الرؤية إثبات حدوث معنى في المرئي لأن الألوان مرئيات ولا يجوز حدوث معنى فيها .
على أن المرئي لو كان مرئيًا لحدوث معنى فيه لكان ذلك المعنى هو الرؤية ، وهذا يوجب أنا إذا رأينا الميت فقد حدثت فيه الرؤية وجامعت الرؤية الموت ، وإذا رأينا عين الأعمى حدثت في عينه رؤية فكانت الرؤية مجامعة للعمى فلما لم يجز ذلك بطل ما قالوه .