وأيضًا فإن المعتزلة: رجلان: أحدهما يقول: إن إرادة الله تعالى في أفعال عباده الأمر بها .
والآخر يقول: إرادته في أفعال عباده خلف غيير الأمر بها . فمن ذهب إلى أنها الأمر ، لزمه - إذا لم يكن الباري آمرًا بأفعال الأطفال والمجانين - أن يكون كارهًا لها ، إذا كان يجب بنفي الإرادة لأفعال العباد الكراهة لها ، والله تعالى لا يكره إلا معصية كما لا ينهى إلا عن معصية ، وإذا لم يكن هذا عندهم هكذا أبطل ما قالوه .
وأيضًا فإذا كان يلزم فيما جاز الأمر به إذا لم يأمر به أن يقول له كارهًا ، لزم من كان في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وجاز عنده أن ينزل النهي عن المباح الذي ليس بطاعة أن يكون إذا لم يرد من الله تعالى الأمر به فقد كره ، وهذا يوجب أن كل مباح معصية .
ومن ذهب إلى القول الثاني وهو قول الجبائي: (( إن إرادة الله تعالى لأفعال عباده هي غير الأمر بها ) ).
يقال له: إذا كان يجب بنفي الإرادة لأفعال عباده الكراهة ، فحدثنا هل أراد الله كون الأفعال التي ليست بمعاصٍ ولا طاعات ؟
فإن قال: نعم . قيل له: يلزمك أن تكون طاعة ، لأن الطاعة عندك إنما كانت طاعة للمطاع لأنه أرادها .
فإن قال: لم يردها . قيل له: فيلزمك أنه كاره لكونها ، وهذا يوجب أن تكون معصية لأن ما كرهه الله سبحانه فهو معصية ، كما أن ما نهى عنه فهو معصية عندكم .
ويقال لهم: إذا كان نفي الإرادة يوجب إثبات كراهة ، فيلزمكم - إذا كان الله تعالى لم يزل غير مريد لشيء بتة - أن يكون لم يزل كارهًا ، إذ كان نفي الإرادة يوجب إثبات كراهة .
مسألة
[ الزعم أنه لا يريد السفه إلا سفيه ]
ويقال: للمعتزلة لم زعمتم أنه لا يريد السفه إلا سفيه ؟ فإن قالوا: لأن مريد السفه منا سفيه .
يقال لهم: فكذلك من أراد منا ما يعلم أنه لا يكون ، أو يغلب عنده أنه لا يكون ، فهو ممتن فاقضوا بذلك على الله تعالى إذا زعمتم أنه أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون .