فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون كون مالا يريده الإنسان من فعله يوجب وقوع ذلك عن سهو أو ضعف ووهن ، وليس يلزم ذلك في كون مالا يريده من فعل غيره ، فوجب مثل ذلك في القديم أيضًا .
قيل له: ليس الأمر كما ظننت بل ، القصة فيما يكون من الإنسان ومن غيره واحدة ، وذلك أن الإنسان إذا كان من فعله مالا يريده فإما أن يكون ذلك عن سهو أو عن ضعف ووهن أو تقصير عن بلوغ ما يريده .
وكذلك القول فيما يكون من غيره لأنه إن لم يكن ذلك عن سهو فواجب أن يكون عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده ، وذلك أن العلة التي لها لزم الإنسان إذا كان عالمًا بما وقع منه وهو غير مريد له الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده أن مراده لم يقع وأنه لم يرده ، لأنه لو كان ما يريده لم يلحقه ضعف ولا وهن فإذا لم يقع فإنما لحقه الوهن والتقصير عن بلوغ ما يريده من أجل أنه وقع منه وهو عالم به غير مريد له .
فإذا كانت العلة ما ذكرنا وجب أيضًا مثل ذلك فيما يقع من غيره وهو لا يريده ، لأنه إذا كانت العلة التي لها وجب أن يوصف الإنسان بضد العلم في وقوع ما يقع منه أنه وقع منه وهو لا يعلمه ، وكذلك قصة ما يقع من غيره وهو لا يعلمه إذ كانت العلة في ذلك واحدة ، وكذلك القول في الإرادة .
وأيضًا فإنه إذا كان من غيره مالا يريده فقد كرهه ، وإذا كره كونه فقد أباه ، وهذا يوجب أن الشيء كان شاء أم أبى ! وهذه صفة الضعف والوهن .
فإن قالوا: ما أنكرتم من أن الذي يجب في كون مالا يريده الباري تعالى من عباده أن يكون كارهًا لذلك فقط ؛ ولا يجب في ذلك ضعف ولا وهن قيل له: بل وقوع ذلك منهم وهو كاره له يوجب الضعف والوهن لا محالة ، لأنه إذا كان ما كره كونه ، كان ما أبى كونه وإذا كان ما أبى كونه ، فقد كان الشيء شاءه أم أباه !!
وهذا يوجب أن الشيء كان شاء الله تعالى ذلك أم أباه وهذا صفة الضعف .