فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 74

وأيضًا فقد دلت الدلالة على أن كل المحدثات مخلوقات لله تعالى . فإذا استحال أن يفعل الباري تعالى مالا يريده استحال أن يقع من غيره مالا يريده إذ كان ذلك أجمع أفعالًا لله تعالى .

وأيضًا فلو كان في العالم مالا يريده الله تعالى ، لكان ما يكره كونه ، ولو كان ما يكره كونه ، لكان من أبى كونه .

وهذا يوجب أن المعاصي كانت شاء الله أم أبى ، وهذا صفة الضعف المقهور وتعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا .

فإن قال قائل: خبرونا عن ملك من ملوك الدنيا لو مر برجل مقعد زمن أعمى فشتمه والملك لا يريد شتمه أتقولون أن الملك لحقه في ذلك ضعف ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده إذا أراد أن لا يشتمه فشتمه ؟

قيل له: أجل ، ولو لم يكن ما أراد الزمن من شتمه وكان ما أراده الملك من مدحه إياه كان ذلك أولى بزوال الضعف والوهن عنه على أن الملك إذا لم يرد شتم الأعمى المقعد له فقد ذكره شتمه إياه وأبى ذلك وقد كان شتمه شاء ذلك الملك أو أباه ، وهذا صفة الضعف والوهن . وأيضا فإن من إذا أراد منا أمرًا كان ، وإذا لم يرد كونه لم يكن أولى بصفة الاقتدار ممن يريد كونه مالا يكون وأن لا يكون ما يكون ورب العالمين لا يوصف إلا بالوصف الذي هو أولى بصفة الاقتدار .

فإن قال قائل: من إذا أراد أمرًا كان ، وإذا لم يرده لم يكن ؛ إنما يكون اقتداره بمن يتبعه ويعينه ويكون ضعفه لقلة أنصاره وأتباعه ، ورب العالمين لا يتكثر بأحد .

يقال لهم: فما أنكرتم إن كان هذا على تدعون أن يكون من أراد من فعله كون مالا يكون وأن لا يكون مالا يكون ، إنما يصح وصفه بالاقتدار لأنه ممن يتكثر بفعله ويجب اقتداره بمن ينصره ، وضعفه بمن يقعد عنه .

ويقال لهم: لم زعمتم أن من أراد منا كون ما يكون إنما يصح وصفه بالاقتدار لأنه ممن يقوى بكثرة من يتبعه ويضعف بكثرة من يقعد عنه ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت