وكذلك إذا كان علمًا أو حياةً أو إرادةً أو سمعًا أو بصرًا فيجب إذا أحدث كلامًا في غيره أن يشتق ذلك الغير من أخص أوصاف الكلام .
فلما ام يجز ذلك بطل أن يكون الكلام مقيسًا على ما قلتم من أن الله تعالى يحدث كلامه في غيره كما يحدث فعله وتفضله ونعمه وإحسانه في غير .
فإن قالوا: أفليس قد يحدث الله تعالى كتابه في غيره ولا يكون الشيء الذي قامت به الكتابة كاتبًا ؟
قيل لهم: إن أحدث الله تعالى في غيره كتابة ضرورة كان ذلك الغير كاتبًا باضطرار .
وكذلك إن كانت الكتابة كسبًا كان ذلك الغير كاتبًا باكتساب فيجب إذا أحدث الله تعالى كلامه في غيره أن يكون ذلك الغير متكلمًا بكلام الله .
وهذا الديل على قدم الكلام هو الدليل على قدم الإرادة لله تعالى لأنها لو كانت محدثةً لكانت لا تخلو من أن يكون الله يحدثها في نفسه أو في غيره أو قائمة بنفسها .
فيستحيل أن يحدثها في نفسه لأنه ليس بمحل للحوادث . ويستحيل أن يحدثها ائمة بنفسها لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها كما لا يجوز أن يحدث علمًا وقدرة قائمين بأنفسهما .
ويستحيل أن يحدثها في غيره لأن هذا يوجب أن يكون ذلك الغير مريدًا بإرادة الله تعالى .
ففلما استحالت هذه الوجوه التي لا تخلو الإرادة منها لو كانت محدثة صح أنها قديمة وأن الله لم يزل مريدًا بها .
الباب الثالث
باب الكلام في الإرادة وأنها تعم سائر المحدثات
[ الله مريد لكل شيء ]
فإن قال قائل: لم قلتم إن الله تعالى مريد لكل شيء يجوز أن يراد ؟ قيل له: قلنا ذلك لأن الإرادة إذا كانت من صفات الذات بالدلالة التي ذكرناها وجب أن تكون عامة في كل ما يجوز أن يراد على حقيقته كما إذا كان العلم من صفات الذات وجب عمومه بكل كا يجوز أن يعلم على حقيقته .
وأيضًا فقد دلت الدلالة على أن الله تعالى خالق كل شيء حادث ولا يجوز أن يخلق مالا يريده ، وقد قال الله تعالى: (( إن ربك فعال لما يريد(107) )) [ هود: 107 ] .