ولم يجب أيضًا إثبات الجور لأن الإنسان قد لا يكون عادلًا إذا لم يكن منه عدل كسبه ، ولا فعله ولا يكون جائزًا فليس من نفينا عنه العدل أثبتنا له ضدًا هو جور أو عجز إذا كنا قد ننفي ذلك عنا ولا نثبت ضدًا هو عجز أو جور ، والحي منا ومن غيرنا إذا لم يكن عالمًا كان موصوفًا بضد العلم .
وأيضًا فقد لا يكون الإنسان عادلًا ولا يكون جائرًا بجور من جنس العدل فليس يجب بنفي العدل ضد هو جور كما وجب في الكلام والإرادة ؛ لأن الإنسان قد يكون عادلًا بالكون في المكان إذا أمره الله تعالى أن يكون فيه ، ويكون في وقت آخر جائرًا بالكون فيه إذا نهاه الله تعالى عن الكون فيه ، فيكون العدل من جنس الجور لأن الكون في المكان من جنس الكون فيه .
فإن قال: ما أنكرتم إذا لم يكن الباري تعالى محركًا في أزله أن يكون مسكنًا .
قيل له: لا يخلو قولك إذا لم يكن محركًا أن يكون مسكنًا يعني إذا كان لم يزل غير محرك لنفسه أن يكون مسكنًا لها ، أو يعني إذا لم يكن محركًا لجسم كان مسكنًا له . فإن عنيت إن لم يحرك نفسه كان مسكنًا لها فهذا خطأ لأنه يستحيل أن يحرك نفسه . ونحن لم نقل إذا لم يتكلم من يستحيل كلامه كان موصوفًا بضد الكلام .
وإن عنيت إذا لم يكن محركًا فيما لم يزل لجسم كان مسكنًا له فليس مع الله تعالى في قدمه أجسام فيجب إذا لم يحركها أن يسكنها .
ومالم يكن موجودًا يستحيل تحركه . فليس إذا لم يحرك ما تستحيل حركته وجب أن يسكنه .
مسألة
[ القادر منا على الكلام قد خلا من الكلام ]
فإن قال: القدر منا على الكلام في حال قدرته عليه قد خلا من الكلام وأضداده .
قيل له: فهذا ضرب من الخلاف لأن القادر منا على الكلام في حال قدرته عليه متكلم لا محالة وسندل على ذلك بعد هذا الموضوع من كتابنا .