فذلك يجب أيضًا لما استحال فيما بيننا حي غير عالم ولا موصوف بضد العلم ، وجب أن يستحيل فيما بيننا حي غير متكلم ولا موصوف بضد الكلام أن يستحيل ذلك في الغائب ووجب أن يكون من جوز أحد الأمرين في الغائب كمن جوز الأمر الآخر .
وهذا هو الدليل على أن الله تعالى لم يزل مريدًا وذلك أن الحي إذا كان غير مريد لشيء أصلًا وجب أن يكون موصوفًا بضد من أضداد الإرادات من الآفات كالسهو والكراهة والإباء والآفات ، كما وجب أن يكون الحي إذا كان غير عالم بشيء أصلًا موصوفًا بضد من أضداد العلوم من الآفات كالجهل والسهو والغفلة ، أو الموت ، أو ما أشبه ذلك من الآفات .
فلما استحال أن يكون الباري تعالى لم يزل موصوفًا بضد الإرادة لأن هذا يوجب أن لا بربد شيئًا على وجه من الوجوه .
وذلك أن ضد الإرادة إذا كان البار يتعالى لم يزل موصوفًا به يوجب قدمه ومحال عدم القديم كما محال حدوث القديم فإذا استحال عدمه وجب أن لا يريد الباري شيئًا ويقصد فعله على وجه من الوجوه وذلك فاسد . وإذا فسد هذا صح وثبت أن الباري تعالى لم يزل مريدًا .
فإن قال قائل: لم قلتم إذا كان من لم يزل غير متكلم ولا مريد وجب أن يكون موصوفًا بضد الإرداة والكلام إذا كان ممن لا يستحيل عليه الكلام والإرادة ، فما أنكرتم من أن من لم يزل غير فاعل وجب أن يكون موصوفًا بضد الفعل ، وأن يكون تاركًا فيما لم يزل ؟
قيل له: لا يجب ما قلته وذلك أن للكلام ضدًا ليس بكلام ، وللإرادة ضد ليس بإرادة ، فوجب لو كان للباري تعالى حيًا غير متكلم ، ولا مريد أن يكون موصوفًا بضد الكلام والإرادة .
وليس للفعل ضد ليس بفعل فيجب بنفي الفعل عن الفعل وجود ضده لأن الموجود إذا لم يكن محدثًا كان قديمًا والقديم لا يضاد المحدثات .
فلما لم يكن للفعل ضد ليس بفعل لم يجب بنفي الفعل عن الله تعالى في أزله إثبات ضد .