فإن قال: فما معنى قوله تعالى: (( قالتا أتينا طآئعين(11) )) [ فصلت: 11 ] قيل له: معنى ذلك أنهما قالتا في الحقيقة: (( أتينا طآئعين(11) )) [ فصلت: 11 ] .
ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلمًا أنه لو كان لم يزل غير متكلم وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام لكان موصوفًا من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة .
ولو كان لم يزل موصوفًا بضد الكلام لكان ضد الكلام قديمًا. ولو كان ضد الكلام قديمًا لاستحال أن يعدم وأن يتكلم الباري لأن القديم لا يجوز عدمه كما لا يجوز حدوثه فكان يجب أن لا يكون الباري تعالى قائلًا ولا آمرًا ولا ناهيًا على وجه من الوجوه .
وهذا فاسد عندنا وعندهم . وإذا فسد هذا صح وثبت أن الباري لم يزل متكلمًا قائلًا .
فإن قال قائل: ولم زعمتم أنه لو كان لم يزل غير متكلم لكان موصوفًا بضد الكلام ؟
قيل له: لأن الحي إذا لم يكن موصوفًا بالكلام كان موصوفًا بضده كما أنه إذا لم يكن موصوفًا بالعلم كان موصوفًا بضده .
وذلك أن الحي فيما بيننا ذلك حكمه ولم تقم دلالة على حي يخلو من الكلام وأضداده في الغائب ، كما لم تقم دلالة على حي يخلو من العلم وأضداده حتى يكون لا موصوفًا بأنه عالم ولا بضد العلم .
فقد اجتمع الأمر فيها أنه مستحيل فيما بيننا حي غير عالم ولا موصوف بضد الكلام ، وأنه لم تقم على ذلك دلالة في الغائب .
فلو جاز أحد الأمرين وهو حي غير متكلم ولا موصوف بضد الكلام لجاز الأمر الآخر وهو حي غير عالم ولا موصوف بضد العلم .
وأيضًا فإنه يستحيل فيما بيننا عالم يوصف بضد العلم مع علمه ، ومتكلم يوصف بضد الكلام مع كلامه ، فلما اجتمعا في الإحالة وجب أن يكون من جوز متكلمًا في الغائب يوصف بضد الكلام مع كلامه كمن جوز عالمًا في الغائب يوصف بضد العلم مع علمه .