ومما يبطل قول من قال إن دلالة الفعل الحكمي على علم العالم منا دلالة على أنه غير العالم وأنه محدث أن العالم لعلم ما كان عالمًا لا للغيرية ولا للحدث ، فوجب أن تكون الدلالة على أن العالم عالم دلالة على العلم . ولم يكن العلم علمًا لأنه غير العالم ولا لأنه محدث لوجود غير ليس بعلم ، ومحدث ليس بعلم ، فلم يجب أن تكون الدلالة على أن العلم علم دلالة على أنه محدث أو أنه غير العالم .
وأيضًا فلو جاز لزاعم أن يزعم أن الدلالة على أن العلم علم دلالة على حدثه ، أو دلالة على أنه غير العالم لجاز لزاعم أن يزعم أن الدلالة على أن العالم عالم دلالة على حدثه وأنه متغاير في ذاته .
والدليل على أن لله تعالى قدرة وحياة كالدليل على أن لله تعالى علمًا .
وقد قال: الله جل ذكره: (( أنزله بعلمه ) ) [ النساء: 166 ] وقال (( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) ) [ فاطر: 11 ] فثبت العلم لنفسه وقال تعالى: (( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) ) [ فصلت: 15 ] فثبت القوة لنفسه .
ومما يدل على أن الله تعالى عالم بعلم أنه لا يخلو أن يكون الله عالمًا بنفسه أو بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه . فإن كان عالمًا بنفسه كانت نفسه علمًا لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى عالم ، بمعنى هو غيره ، لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علمًا ، ويستحيل أن يكون العلم عالمًا ، أو العالم علمًا ، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات .
ألا ترى أن الطريق الذي به يعلن أن العالم علم أن العالم به علم لأن قدرة الإنسان التي لا يعلم بها لا يجوز أن تكون علمًا ، فلما استحال أن يكون الباري تعالى علمًا استحال أن يكون عالمًا لنفسه ، فإذ استحال ذلك صح أنه عالم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه .
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الباري سبحانه عالمًا لا بنفسه ولا بمعنى يستحيل أن يكون هو نفسه .